لأول مرة أشعر أنني عاجز عن كتابة “بروفايل”. الإحساس وحده لا يكفي ليكون حبرًا، بل يحتاج إلى محرك آخر ليظهر جليًا. هناك أشخاص لا يحتاجون إلى استعارات لوصفهم.
إن وصفتهم بالشمس، تجد أنهم سبقوك، وجدّلوا الشموس وطنًا لأهلهم. هناك أشخاص عصيّون على الوصف. البدوي يفاخر بالشجاعة، ومحمد بن سلمان بين “جدّين”: جده لأبيه وحّد قارة مساحتها 2.2 مليون كيلومتر مربع، وجده لأمه أعيا قارةً امتدت حدودها بين الصمّان والآستانة، وصولًا إلى “نيش”* في صربيا.
الاثنان (جدّه لأبيه وجدّه لأمه) أتعبا الشعراء واللغويين، ولم يصل أحد إلى عمق أيٍّ منهما. كلاهما بئر ينضح ماءً كالعسل. كلاهما “هَدّاج تيماء”. كلاهما يروي عطش الأرض. كلاهما غطّى بعباءته زرع أرضه وسقاه.
أما حفيدهما، فقد فهم أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأكمل مسيرتهما، لكن على طريقته. أدرك محمد بن سلمان أن العالم لا يقف عند حدود رسمها جده المؤسس، بل أن كل ما فيه “أحجار على رقعة شطرنج”.
تعلّم في مدرسة والده الملك سلمان بن عبدالعزيز كيف يحرّك أحجار الشطرنج على مساحته الجغرافية. عرف إمكانياته، استخدمها، وسّع رقعته. لم يكن بحاجة إلى الجنود. ترك القلاع في أماكنها. لم يقل لأحد “كش ملك”، بل أتى بالجميع إلى المساحة التي حددها لنفسه ولشعبه، لكن عينه كانت دومًا على فضاءات أبعد، لا مجرد مساحات.
المساحة التي تركها له جده المؤسس كانت كافية. أعمامه الملوك ووالده الذين تعاقبوا على الحكم، أضافوا إليها شعبًا عظيمًا. فتحوا أبواب التعليم، ابتعثوا، منحوا فرصًا للإبداع والابتكار. المرأة السعودية، التي كانت ولا تزال تلتحف السواد سترًا لها، أصبحت اليوم تدير كبريات الشركات في العالم. والشبان الذين كانوا يرعون أغنامهم في الإجازات، أصبحوا اليوم يحركون عجلة الاقتصاد العالمي.
محمد بن سلمان لم يخرج مرة واحدة إلى الإعلام إلا وذكر أن معه، وليس خلفه، شعبًا جبارًا. وصف السعوديين بـ “جبل طويق”، وها هم اليوم يلتفون حوله كما الطوق.
لقد أدرك أن العالم قائم على المصالح المتبادلة، وأن لموقع بلاده الجغرافي ولعظمة أبناء وبنات شعبه وزنًا استثنائيًا، فانطلق يدير “رقعة الشطرنج” بذكاء وحنكة. وظّف كل معطيات ومكامن قوة بلاده اقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا وثقافيًا، ليبسط عباءته على العالم.
“نيش” هو السجن الذي سُجن فيه الشيخ راكان بن حثلين (جدّ محمد بن سلمان لأمه) في صربيا.


