“جيه بي مورغان”: نافذة أمل جديدة أمام لبنان لإعادة هيكلة ديونه

هدى علاء الدين

في ظلّ التحديات الاقتصادية العميقة التي يواجهها لبنان منذ سنوات، بات ملفّ إعادة هيكلة الديون الخارجية وإصلاح القطاع المصرفي في صدارة أولويات السلطات المالية والمستثمرين الدوليين على حد سواء. ومع تصاعد المخاطر المالية وتراجع ثقة الأسواق، تزداد أهمية الاستراتيجيات المقترَحة لإعادة هيكلة سندات اليوروبوند اللبنانية وتحقيق استقرار القطاع المصرفي. وفي هذا الإطار، قدّم تقرير “جيه بي مورغان” الأخير رؤية شاملة حول فرص التعافي المالي في لبنان، مسلّطًا الضوء على الإصلاحات القانونية والتنظيمية المرتقبة، وتأثيرها المحتمل على أسعار السندات، إضافة إلى أبعاد المخاطر المرتبطة بخسائر القطاع المصرفي، بما يشكّل إطارًا أوضح للمستثمرين لفهم البيئة الاستثمارية اللبنانية المعقدة.

أشار التقرير إلى أنّ السلطات اللبنانية بدأت سلسلة إصلاحات كبيرة تستهدف القطاعات المالية والأمنية، تمهيدًا للتوصّل إلى تفاهم مع صندوق النقد الدولي خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يُعدّ خطوة محورية لفتح الباب أمام الدعم الدولي، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة هيكلة الديون الخارجية المتعثرة التي بلغت مستويات قياسية، وبالتالي تعزيز فرص استقرار الاقتصاد اللبناني على المدى المتوسّط والطويل.

إعادة هيكلة الديون: فرص وتحديات

يشدّد التقرير على أنّ التعافي من سندات اليوروبوند مرتبط بتحليل قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها وفق تقييم صندوق النقد الدولي (IMF DSA)، الذي يستند إلى الموازنة العامة وقدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة للسداد. ويرى التقرير أنّ من الضروري أن تراعي عملية إعادة الهيكلة هذه القيود، لتجنّب زيادة الضغوط على الخزينة، خاصة مع محدودية الهامش المالي لدعم مصرف لبنان أو القيام بتدخّل مالي واسع.

واقترح “جيه بي مورغان” شروطًا واضحة لإعادة الهيكلة، تشمل سداد 65% من رأس المال والفوائد المستحقّة، وإصدار ثلاث سندات جديدة بقسائم فائدة تستحق في أعوام 2036 و2039 و2041، تتدرّج نسبتها من 3.5% إلى 7.75%، إضافة إلى سند جديد من دون قسيمة (PDI) يستحق عام 2036 مع جدول سداد سنوي. وتشير التقديرات إلى أنّ السندات ستتعافى عند مستويات 27–28 مع عائد خروج يتراوح بين 14–15%، وقد تصل إلى مستوى 30 إذا استمرّت تداولاتها ضمن نطاق أسعار نقدية منخفضة، ما يخلق فرصًا جذّابة للمتداولين في الربع الأخير من العام.

القطاع المصرفي: خسائر وإعادة هيكلة

يُعدّ القطاع المصرفي اللبناني أحد العناصر الأساسية المؤثرة على تعافي اليوروبوند، نظرًا لتأثره المباشر بحجم الخسائر المتراكمة، ولا سيما تلك المرتبطة بمصرف لبنان. وتشير تقديرات التقرير إلى أنّ خسائر القطاع المصرفي الإجمالية تتراوح بين 50 و55 مليار دولار، أي أقل من الأرقام الشائعة التي تشير إلى 75 مليار دولار. وتشمل هذه الخسائر: انخفاض قيمة العملة، خسائر حيازات اليوروبوند، القروض المتعثّرة، والخسائر المتراكمة لدى مصرف لبنان نتيجة العمليات المالية السابقة.

وبحسب التقرير، بدأت المصارف التجارية تدريجيًا إعادة تقييم ميزانياتها وفق سعر الصرف الرسمي الجديد (89,500 ليرة مقابل 1,507 ليرات للدولار سابقًا)، ما أدّى إلى الاعتراف بخسائر تتراوح بين 10 و15 مليار دولار نتيجة انخفاض قيمة العملة. وبناءً على تقييم الأصول الحالي، يعادل معدل القروض المتعثّرة البالغ 40% خسارة إضافية بنحو 2 مليار دولار، فيما تتراوح خسائر حيازات اليوروبوند بين 1 و6 مليارات دولار، وفقًا لطريقة المحاسبة. وهذا ما يستدعي تدخّلًا ماليًا على مستوى كل مصرف، مع احتمال خروج بعض المصارف غير القادرة على مواجهة هذه الخسائر من السوق.

وعلى الرغم من ذلك، تراجع حجم حقوق الملكية السلبية لدى مصرف لبنان في السنوات الأخيرة بفضل ارتفاع قيمة احتياطي الذهب من 17 مليار دولار إلى أكثر من 30 مليار دولار، إضافة إلى معالجة بعض حيازات المصرف من اليوروبوند، ما قلّص حجم الخسائر الإجمالية إلى نحو 48 مليار دولار.

الإطار التشريعي والإصلاحات المالية

تعمل السلطات اللبنانية على صياغة قانون رئيسي يُعرف بـ”قانون الفجوة المالية”، وهو مطلب أساسي لصندوق النقد الدولي، يركّز على الموازنة بين خسائر القطاع المصرفي واحتياجات مصرف لبنان، مع النظر في مساهمة كبيرة من المودعين (bail-in) مقابل أي تدخّل مالي من الحكومة (bail-out). ويهدف القانون إلى تحقيق توافق بين المصارف، مصرف لبنان، والجهات الدولية، كشرط أساسي لأي دعم مالي خارجي، بعد إقرار قانونَي السرية المصرفية وتنظيم المصارف، وهما من القوانين الثلاثة الأساسية المطلوبة قبل بدء مفاوضات البرنامج.

توقّعات السوق واستراتيجية الاستثمار

يرى التقرير أنّ البيئة الحالية توفّر فرصًا للمستثمرين في سوق اليوروبوند اللبناني، خاصة مع توقّع ظهور محفّزات إيجابية في الأشهر المقبلة، مثل صدور “قانون الفجوة المالية”، تقدّم المفاوضات مع صندوق النقد، وتنفيذ إصلاحات تنظيمية وأمنية. وبالنظر إلى التحركات المحتملة للسندات، يتوقع التقرير تداولها بين 23 و24 بحلول نهاية العام، ما يعكس فرصة استثمارية جذّابة ضمن سياق مخاطر محدودة نسبيًا.

ويؤكّد تقرير “جيه بي مورغان” أنّ نجاح إعادة هيكلة الديون يعتمد أساسًا على قدرة الحكومة على الوفاء بالالتزامات ضمن قيود صندوق النقد، ومدى التوافق بين المصارف، مصرف لبنان، والمودعين في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما قد تشكّل الإصلاحات القانونية والتنظيمية المرتقبة المحفّز الرئيسي لتعافي السوق واستعادة ثقة المستثمرين الدوليين بلبنان.

شارك المقال