من يحوز مفاتيح الغد في غزة؟

نزار عثمان السمندل

خبط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الطاولة، كأنه يقول لحليفه المدلَّل بنيامين نتنياهو: لقد سئمت. ومع تلك الضربة الثقيلة، عادت  لمنطقة إلى مائدة القلق والنار.

ترامب أخرج ورقة من واحدٍ وعشرين بنداً، سمّاها “مبادرة لوقف الحرب في غزة”. لكن خلف العناوين يلوح سؤال أكبر: من يملك حقّ كتابة النهاية؟ ومن يحوز مفاتيح الغد؟

جلس الزعيم الأميركي إلى جوار نتنياهو في واشنطن، في مشهد بدا امتحاناً لقدرة البيت الأبيض على انتزاع تنازل من رئيس حكومة يعيش على إيقاع الحرب، ويقتات من وهم القوة المطلقة.

في الزوايا، تحرّك القادة العرب. عبد الفتاح السيسي استقبل محمّد بن زايد في القاهرة، وأطلقا إشارات ترحيب محسوبة بالمبادرة. لم يكن الأمر مجرّد دبلوماسية، بل رسالة واضحة: هناك قرار عربي بالالتفاف حول الخطة الأميركية، لمنع نتنياهو من دفنها قبل أن ترى النور.

المبادرة نفسها لا تخلو من جرأة: وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، إطلاق سراح رهائن وسجناء، وإقامة إدارة جديدة بلا “حماس”، تُموَّل عربياً وإسلامياً وتُحمى بقوة أمنية مختلطة. خريطة طريق تقود نحو “دولة فلسطينية” تحت وصاية إقليمية، ريثما تُصلِح السلطة هياكلها، ربما بعيداً عن أبي مازن. ليست بنوداً تقنية فحسب، بل معركة دبلوماسية بكل ما تعنيه الكلمة.

ما يضفي عليها وزناً ليس نصّها وحده، بل الحشد العربي الذي اصطف خلفها. السيسي يتحدث عن “فرصة حقيقية”، ووزير خارجيته يكرر الدعوة إلى التعاطي الإيجابي. الإمارات لوّحت بأوراق التطبيع، وأرسلت عبر قنوات دبلوماسيتها رسائل صريحة لنتنياهو: إن اخترت ضمّ الضفة الغربية ستُغلَق الأبواب من الرياض إلى جاكرتا. وإن رفضت المبادرة الجديدة، ستجد نفسك معزولاً، وقد تخسر حتى ما كسبته من “اتفاقات إبراهيم”. عبد الله بن زايد قالها لزعيم الاحتلال بوضوح.

المشهد إذن أكبر من غزة. إنه صراع على هوية الإقليم. العرب يريدون أن يثبتوا أنهم شركاء في صياغة المستقبل، لا متفرجين على خراب جديد. يريدون كسر الجدار الذي بناه نتنياهو حول نفسه، وإلزام إسرائيل بدفع ثمن تصلبها.

لكن على الأرض، الدم لا يزال يسيل. منذ السابع من أكتوبر، تحصي غزة موتاها: عشرات الآلاف بين شهيد وجريح، أغلبهم أطفال ونساء، في إبادة جماعية موثَّقة.

من تحت هذا الركام، يلوّح ترامب بخطته، ويتحرّك العرب بحذر وحزم، خشية أن يتركوا مستقبل غزة رهينة بين يدي رجل يفضّل الحرب على السلام، والجدار على الأفق.

هي لحظة فارقة: إن مضت المبادرة، قد تنفتح نافذة ضوء وسط ظلام الحرب. وإن أسقطها نتنياهو، فسيجد نفسه ليس فقط في مواجهة الفلسطينيين، بل أيضاً في مواجهة عواصم عربية قررت أن تتكلم بصوت واحد.

المعركة لم تعد بين غزة وتل أبيب فقط، بل على معنى المستقبل نفسه: هل يمكن أن يولد سلام من ركام الإبادة، أم أن الحرب ستبقى اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا العالم؟

شارك المقال