لحظة توتر ناعمة في المغرب

نزار عثمان السمندل

يعيش المغرب لحظة توتر ناعمة، تختلط فيها أصوات الغضب بنبض الإصلاح، وتتعانق في شوارعه الممتدة من طنجة إلى مراكش هتافات تبحث عن عدالةٍ أعمق، لا عن قطيعة مع الدولة. فالاحتجاج هنا ليس صرخة ضد الوطن، بل نداء ضد العجز الحكومي عن مواكبة طموحات الناس.

إنها حركة احتجاج مدنية بامتياز، يحرسها الدستور الذي يكفل حرية الاجتماع والتظاهر والإضراب والانتماء. لكن بين كل هتاف وآخر، ينبت سؤال بسيط في لغته، معقّد في جوهره: أين ذهبت الوعود التي أغدقها رئيس الحكومة عزيز أخنوش باسم التنمية والإصلاح؟

منذ أن تولّى أخنوش السلطة قبل ثلاث سنوات، رفع سقف التوقعات عالياً. وعد بمغرب جديد أكثر كفاءة وعدالة وازدهاراً، غير أن الواقع سرعان ما عرّى هشاشة أداء حكومته، خصوصاً في أكثر الملفات التصاقاً بكرامة المواطن: التعليم والصحة. لم يُقدّم الرجل تفسيراً مقنعاً لتواضع الخدمات، ولا أطلق خطة جريئة تُعيد الثقة إلى من يقف في طوابير المستشفيات الحكومية أو من أنهكته تكاليف التعليم الخاص بعد تراجع المدارس العمومية.

ذاك المواطن البسيط، الذي لا يملك ثمن العيادة الخاصة ولا أقساط المدرسة، يشعر أن حكومة أخنوش تسير في طريق لا يشمله، وأن “النموذج التنموي” الذي بشّر به الملك محمد السادس تحوّل إلى لوحة معلّقة على جدار الحكومة، أكثر منه واقعاً يُلمس في معيش الناس.

كان الملك واضحاً في توجيهاته: التنمية ليست أرقاماً ومشاريع ضخمة، بل كرامة تُصان في المدرسة والمستشفى. ومع ذلك، بقيت حكومة أخنوش أسيرة لغة باردة لا تُلامس وجع الشارع، غارقة في بياناتها التقنية، كأنها تتحدث إلى المانحين لا إلى المواطنين.

من رحم هذا الإحباط، خرج جيل جديد يُسمّي نفسه Z212، جيل لا يعرف الصبر الطويل الذي تحلّى به آباؤه، ولا يؤمن ببلاغة الشعارات. جيل الهاتف والهاشتاغ، الذي يملأ الميادين باحتجاجٍ ذكيّ، كأنه يختبر الدولة في قدرتها على الإصغاء والفهم والتنفيذ.

احتجاجاته ليست تمرداً على النظام، بل إنذاراً للحكومة: إن مغرب الغد لا يُدار من المكاتب الدافئة ولا بالخطط المعلّبة. إنها لحظة محاسبة لا أكثر، لأن المغاربة لا يثورون على وطنهم، بل على حكومة فقدت الإصغاء لنَبضهم.

تشكّلت حكومة أخنوش على وعد بالنجاعة والكفاءة، وبأنها ستُنهي زمن الأعذار وتفتح عهد الإنجاز. لكنّ الوعود تهاوت أمام امتحان الواقع. بدا رئيس الحكومة، بثروته الهائلة وبُعده عن لغة الناس، غريباً عن الشارع الذي يغلي باسمه. فشل في بناء جسر الثقة، ولم يُحسن مخاطبة الفقراء الذين يرزحون تحت عبء الغلاء وضيق الأفق.

وخلف هذا الوجع المشروع، تتسلل كالعادة أصوات غريبة تحاول ركوب الموجة وتحويلها من احتجاج إلى فوضى، ومن سؤال إلى صدام. فكل لحظة غليان تستدعي من يحاول خلط الأوراق: مجموعات تخريبية بأجندات خارجية، مدفوعة من أطراف إقليمية لا تخفي ضيقها من نجاح التجربة المغربية. من النظام الجزائري الذي يعيش على المقارنة التي يخسرها دائماً، إلى بعض الصحف الفرنسية التي لم تبرأ من حنين الوصاية الثقافية، تملأ الصفحات بتقارير مسمومة تخلط النقد بالتحامل.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة مغربية خالصة. فالأزمة ليست مؤامرة تُدار من الخارج، بل خللاً داخلياً في إدارة التوقعات، وفي ضعف التواصل السياسي والإداري. إنها أزمة حكومة لم تُدرك بعد أن الثقة تُبنى بالإنصات لا بالتبرير، وبالملموس لا بالشعار.

الكرة الآن في ملعب عزيز أخنوش. فإما أن يستعيد نبض الشارع بسياسات واقعية تُنصف الفقراء وتشعرهم بأن لهم نصيباً في الحلم، أو يترك البلاد تمضي بخطى التنمية السريعة نحو هاوية الثقة البطيئة.

ففي النهاية، لا يُقاس نجاح الحكومات بما تُنجزه على الورق، بل بما تُحدثه من تبدّلٍ في وجوه الناس حين ينهضون كل صباح إلى أعمالهم، وقلوبهم مغمورة بنسمات أملٍ جديد، يخفّف وطأة العيش ويُعيد للثقة معناها.

شارك المقال