زيارة بلا إعلان، لكنها تكتسي دلالة بالغة.
إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، حطّ في بغداد خفيف الظلّ، ثقيل المهمة. لم يُستقبل رسمياً، ولم تُعلن تفاصيل اللقاءات، لكن رائحة السياسة الثقيلة تسلّلت من الأبواب المغلقة التي جمعته بقيادات الإطار التنسيقي الشيعي. مهمة الجنرال، كما تسرّب من دوائر ضيقة، ليست سوى عملية إطفاء عاجلة لحريقٍ يتسع بين الحلفاء، ومحاولة لرصّ الصفوف قبل أن تشتعل الانتخابات في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر.
تبدو طهران، وهي تتأمل المشهد العراقي، كمن يحصي نبضه على ضفة النار. فإيران تعرف أن بغداد لم تعد كما كانت في زمن سليماني، وأن الولاءات داخل الإطار التنسيقي تتآكل بفعل الطموح والمال والنفوذ. لذلك جاء قاآني لا كزائر، بل كطبيبٍ سياسيٍّ في غرفة إنعاش حليفه الشيعي، يحمل تعليماتٍ بضرورة ترميم التصدعات قبل أن تتحول إلى انشقاقٍ يصعب رتقه.
الزمن يتسارع، والانتخابات تطرق الأبواب. الانقسامات داخل الإطار بلغت حدّاً جعل طهران تُسقط قناع الحياد. خلافات حول موارد الدولة، وحول من يوظّف النفوذ في الحملات، ومن يملك حق التحكم بمصادر التمويل. وجوه تتنافس على الكرسي قبل أن تُفرز الصناديق شيئاً. أُطلقت أسماء كثيرة لتولّي رئاسة الحكومة المقبلة: نوري المالكي، قاسم الأعرجي، حامد الشطري… اثنا عشر اسماً تتزاحم في الممر ذاته المؤدي إلى قصر الحكم.
القصة ليست مجرد سباقٍ على السلطة، بل اختبارٌ لهيمنة إيران داخل بيتها المذهبي في العراق. فكل شرخٍ داخل الإطار هو ضربةٌ في صميم نفوذها. لذلك لا عجب أن يعيد قاآني تكرار عبارته في كل لقاء: “وحدة الصف الشيعي خط أحمر”. عبارة أقرب إلى إنذارٍ منها إلى نصيحة.
لكن التصدّع أعمق مما توحي به بيانات المجاملة. محمد شياع السوداني، الذي كان ابن الإطار المدلّل، بدأ يتحول إلى خصمٍ ينافس رعاته أنفسهم. ومن هنا يجيء قلق طهران التي تخشى أن تلد الانتخابات المقبلة واقعاً سياسياً لا يشبه معادلاتها القديمة.
في العلن، يقلّل بعض النواب من أهمية الخلافات، يسمّونها “اختلافاً في الرؤى”. لكن في الكواليس تتناسل الأجنحة، وتتضارب الطموحات، ويغدو “الإطار التنسيقي” أشبه ببيتٍ تتنازع فيه العائلة على الميراث قبل موت الأب.
زيارة قاآني، في جوهرها، ليست دبلوماسية ولا بروتوكولية. إنها حملة إنقاذٍ متأخرة تُدار في الظل، لإنعاش تحالفٍ يترنح بين السلطة والولاء. في بغداد كما في طهران، يدرك الجميع أن مستقبل النفوذ الإيراني في العراق سيُحسم في صناديق تشرين الثاني/نوفمبر، وأن الجنرال القادم من طهران لا يحمل سلاماً بل قلقاً متوارثاً. جاء سرّاً، وفي صوته رجفةٌ تُخفي خوف الإمبراطورية من اهتزاز أطرافها، وفي عينيه وصيةٌ لا تحتاج ترجمة: توحّدوا… فالتفكك لا يهددكم وحدكم، بل يفتح الباب لليلٍ طويلٍ يبتلعنا معاً.


