زيارة غير عادية تنتظرها دمشق وواشنطن في العاشر من تشرين الثاني الحالي، مع استعداد الرئيس السوري أحمد الشرع للتوجه إلى العاصمة الاميركية في توقيت لا يخلو من الدلالات.
فالزيارة تأتي في مرحلة حساسة بالنسبة لسوريا والمنطقة، وقد تحمل تغييرات كبيرة في مشهد العلاقات الدولية، خصوصاً إذا ما فتحت الباب أمام شرعية جديدة للنظام السوري وإعادة تأهيله دولياً من بوابة مكافحة الإرهاب.
واشنطن تعيد فتح الباب أمام دمشق؟
في حال استقبال الرئيس الشرع في البيت الأبيض، ستكون الخطوة بمثابة اعتراف اميركي غير مباشر بأن النظام السوري بات جزءاً من الحل في الحرب ضد الإرهاب، لا جزءاً من المشكلة.
مثل هذا التحول، إذا حصل، سيعني خروج دمشق من عزلتها الطويلة، وعودة النظام السوري إلى الساحة الدولية عبر البوابة الأمنية.
ومن المتوقع أن يشمل التعاون المرتقب تنسيقاً استخباراتياً وأمنياً بين الطرفين لمواجهة التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمها “داعش”، ما يمنح النظام السوري موقعاً جديداً داخل التحالف الدولي ضد الإرهاب.
حماية من الاعتداءات الإسرائيلية؟
من النتائج غير المباشرة للزيارة، احتمال تعزيز موقع النظام السوري في وجه الهجمات الإسرائيلية المتكررة.
فإسرائيل تعتبر الوجود الإيراني في سوريا تهديداً مباشراً لأمنها، لكن في حال نشأ تنسيق بين واشنطن ودمشق، قد تفرض اميركا نوعاً من “الضبط” أو التهدئة في الساحة السورية، بما يمنح النظام غطاءً سياسياً أو حتى ضمانات أمنية غير معلنة تخفّف من وتيرة الغارات الإسرائيلية.
“قسد” في مهبّ إعادة التموضع
زيارة الشرع قد تغيّر موقع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في المشهد السياسي.
فإعادة تقييم الموقف الاميركي من هذه القوات قد تؤدي إلى تقليص الدعم الغربي لها، تمهيداً لدمجها مجدداً ضمن مؤسسات الدولة السورية، تحت إشراف النظام المركزي في دمشق.
بهذه الحالة، تكون الورقة الكردية قد فقدت جزءاً من وزنها التفاوضي أمام عودة الدولة إلى المشهد.
كبح النزعات الانفصالية
الزيارة قد تفتح صفحة جديدة في الموقف الاميركي من وحدة الأراضي السورية.
فانضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، ولو شكلياً، قد يدفع واشنطن إلى دعم وحدة سوريا وتجميد المشاريع الانفصالية التي لطالما أثارت حساسية النظام السوري، خصوصاً في الشمال الشرقي.
نحو تخفيف العقوبات؟
الملف الاقتصادي سيكون حاضراً على الطاولة.
إذ تشير التقديرات إلى أن التعاون الأمني في ملف الإرهاب قد يتيح لواشنطن مراجعة بعض العقوبات المفروضة على النظام السوري، أو التخفيف من شدّتها.
أي تخفيف في هذا المجال سيمنح دمشق متنفساً اقتصادياً، ويساهم في تحسين الظروف الداخلية ولو بشكل محدود.
دعوة مثيرة للجدل… لكنها “تحصيل حاصل”
ورغم الاعتراضات القانونية على الزيارة، بحجة أن أحمد الشرع مدرج على قوائم الإرهاب الاميركية، فإن الخارجية الاميركية تملك صلاحيات استثنائية تمنحها الحق في إصدار إعفاءات خاصة.
ويبدو أن هذه الصلاحيات ستُستخدم هذه المرة، انطلاقاً من مبدأ “المصلحة الاستراتيجية”، لا سيما إذا رأت واشنطن أن التواصل مع دمشق يخدم أمنها القومي ويعزز حربها ضد الإرهاب.
من القطيعة إلى التعاون
زيارة الشرع، إن تمت، ستكون بمثابة كسر للجليد بين واشنطن ودمشق بعد سنوات من القطيعة والعداء.
ورغم أن التباينات العميقة بين الطرفين لن تزول بين ليلة وضحاها، إلا أن ملف الإرهاب قد يشكّل بوابة عملية لإعادة فتح قنوات التواصل.
فالولايات المتحدة تبحث عن شركاء ميدانيين قادرين على ضبط المشهد الأمني، وسوريا اليوم تُطرح كخيار براغماتي ضمن أولويات جديدة في الشرق الأوسط.
التعاون الأمني: مفتاح المرحلة الجديدة
التوقعات تشير إلى أن النقاشات بين الجانبين ستتركز على التنسيق الاستخباراتي، وتبادل المعلومات حول تحركات الخلايا الإرهابية، وربما التعاون في تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف مشتركة.
في هذا السياق، ستكون دمشق في موقع المزوّد بالمعلومات الميدانية، فيما تستفيد واشنطن من هذا الانفتاح لتعزيز حضورها الأمني في المنطقة بوسائل غير مباشرة.
تداعيات إقليمية ودولية واسعة
الزيارة، في حال تأكدت، ستكون حدثاً مفصلياً في العلاقات الدولية.
فانخراط سوريا المحتمل في التحالف الدولي ضد الإرهاب سيعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين خصمين تاريخيين.
العيون كلها ستتجه إلى البيت الأبيض، لرصد ملامح اللقاء بين الشرع والرئيس الاميركي، ولتقييم مدى استعداد واشنطن لمنح النظام السوري شرعية جديدة ضمن معادلة إقليمية متغيّرة.


