بين السندان والمطرقة: استراتيجية إدارة العلاقات المتوازنة في سوريا

خالد العزي

لا بدّ من القول إنّ الإدارة الجديدة في سوريا بدأت تدرك أهمية الحفاظ على مصالحها الوطنية والقومية من خلال استخدام الذكاء السياسي والاستفادة من التجارب الدولية. وفي ظل الأخطار المحدقة بالبلاد، باتت الفكرة الاستراتيجية هي وضع سوريا في موقع التوازي العادل، أو كما يُقال بالعامية «بيضة القبان»، عبر العمل على تحقيق التوازن بين الأقطاب المتصارعة للوصول إلى الأهداف الوطنية.

الذكاء السياسي للرئيس الشرع: التوازن بين القوى الكبرى

يثبّت الرئيس الشرع تفوّقه وذكاءه السياسي في هذه المرحلة الحاسمة، إذ يجد نفسه اليوم بين «السندان الروسي» و«المطرقة الأميركية – الغربية»، فيمارس إدارة علاقات متوازنة مع الأطراف الكبرى لمصلحة بلده وشعبه، اللذين يعانيان من أزمات حادة على مختلف الأصعدة.

سوريا، التي تواجه مشاريع انفصالية خطيرة، ولا سيما في الجنوب، عملت على استثمار زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو لإعادة ترتيب الأوراق الإقليمية، ما أحرج الجانب الإسرائيلي أمام هذا التحرك، فيما بدأت تلوح في الأفق صفقات وتحالفات جديدة قد تؤثر على مستقبل المنطقة.

الارتباط بالصراعات الكبرى: الأزمة السورية والموقف الأميركي والإسرائيلي

وبالنظر إلى الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة السورية، نجد أنّ هذه الأزمة ترتبط بشكل مباشر بالتوجه الإسرائيلي الداعم للمشاريع الانفصالية والعبث بسيادة سوريا. وتكمن أهميتها في كونها جزءًا من صراعات أوسع في المنطقة، أبرزها الموقف الأميركي، وبالتحديد بعض السياسات التي اتبعتها إدارة الرئيس ترامب سابقًا، مثل الوعود التي قدمتها للجانب الأوكراني بتزويده بأسلحة متطورة كصواريخ توماهوك (Tomahawk)، التي تهدف إلى إضعاف العصب الروسي وتدمير آمال بوتين في السيطرة على أوكرانيا وتحقيق انتصار عسكري.

في المقابل، تحاول إسرائيل دعم أوكرانيا وإطلاق وعود بتقديم الدعم العسكري لها في إطار استراتيجياتها الجيوسياسية، مثل توفير أنظمة «القبة الحديدية»، وهي خطوة تُضعف هيبة روسيا وتحدّ من نفوذها الإقليمي.

الرد الروسي: التحول إلى الساحة السورية لتقويض الغرب

في هذا السياق، أصبح الموقف الروسي متأثرًا بتلك التحولات الكبرى، حيث بات واضحًا أن روسيا لا تستطيع تحقيق نصر سريع في أوكرانيا، لكنها تحاول تحويل الصراع إلى ميادين أخرى يمكن أن تجني منها مكاسب.

وجاء الرد الروسي بأسلوب مبتكر، إذ قالت موسكو، كما يشير محللون، إنه إذا واصل الغرب ضغوطه في أوكرانيا، فإن روسيا ستعمل على «نقل الصراع» إلى مناطق أخرى، كما يحدث الآن في سوريا.

دعم سوريا: تعزيز القوة العسكرية واستثمار النفط

تعمل روسيا على دعم الدولة السورية من خلال تعزيز قدراتها العسكرية، وتوحيد أراضيها، وتدريب جيشها، وتزويده بالسلاح النوعي. كما تقدم موسكو الدعم في مجالات الطاقة والقمح والسلة الغذائية، ومساعدة سوريا في إعادة تأهيل الدولة المنهارة وإعمارها.

هذا التكامل بين الأهداف الروسية والسورية يساعد على خلق توازن استراتيجي يشكل تحديًا للغرب. ومن هنا، فإن الزيارة الأخيرة للرئيس الشرع إلى موسكو لم تكن تقليدية، بل هدفت إلى تأمين ممرات استراتيجية مثل الوصول إلى المياه الدافئة، والحصول على دعم عسكري نوعي من خلال تزويد الجيش السوري بأسلحة جديدة.

الوجود العسكري الروسي: الحذر السوري في التعامل

يدرك الرئيس الشرع أن روسيا قلّصت بعض مظاهر وجودها التقليدي في سوريا، لكن السوريين أبدوا حذرًا وذكاءً في إدارة الوجود الروسي، فلم يسمحوا بتكرار تجربة المرتزقة الروس في دول إفريقية مثل مالي، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وبوركينا فاسو، والنيجر، حيث نفذت مجموعات المرتزقة انقلابات لصالحها أو لصالح حلفائها المحليين.

أما في سوريا، ورغم سقوط نظام الأسد، فإن القيادة الحالية تحاول الاستفادة من العلاقة مع روسيا ولكن بحذر شديد، معتبرةً أن الوجود الروسي ورقة يمكن استخدامها عند الحاجة. واليوم جاء وقت استخدامها بعناية، وفق حسابات تضمن الحفاظ على السيادة ومنع تحوّل الوجود إلى نفوذٍ يتحكم بالقرار الوطني.

تحقيق مصالح سوريا: استخدام ورقة النفط والشركات الروسية

يؤكد الرئيس الشرع في توجهاته للغرب: «أنتم لا تريدون منحي حقول النفط بسرعة أو تستعجلون بمنحي العقود، لكنني كرئيس شرعي للدولة السورية ومالك لأراضيها، أملك الحق في منح الشركات الروسية أو غيرها حق الاستثمار في حقول النفط. وهذا سيجلب النفط للشعب السوري ويؤمن مصادر مالية جديدة للدولة».

كما يرى أن الشركات الروسية التي تتفاوض مع الجانب الأميركي حول إنتاج النفط قد تكون عنصرًا محوريًا في تحويل الشريان الاقتصادي لقوات قسد والإدارة الذاتية، ما سيؤدي إلى تجفيف مصادر تمويلها. إن قطع هذا الشريان الحيوي سيؤدي إلى تفكك قواها وانهيار بنيتها خلال فترة قصيرة، ما يجعل ملف النفط والموارد أحد الركائز الأساسية في حسابات السلطة المركزية.

الروس والإسرائيليون: التوتر والصراع على الجنوب السوري

أرسل الجانب الروسي رسالة واضحة إلى الغرب مفادها: «قد لا أستطيع الانتصار في أوكرانيا، لكنني أستطيع التخريب في مناطق أخرى»، في إشارة إلى إمكانية استخدام الساحة السورية كورقة ضغط لتغيير الموقف الغربي من الحرب الأوكرانية.

الخطاب السياسي للرئيس الشرع: رسائل استراتيجية للغرب وإسرائيل

يقف الرئيس الشرع في موقع المتوازن بين الأطراف المتصارعة، فيستفيد من تناقضاتهم ويوظفها لصالح سوريا. ومن أهم استراتيجياته الموازنة بين مواقف إسرائيل والغرب في الجنوب السوري.

ففي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى العبث بالأمن في الجنوب السوري ودعم الانفصاليين في السويداء بذريعة الوجود الإيراني أو التركي، يردّ الشرع بذكاء قائلاً: «إذا استمررتم في محاولات الاحتلال، فسأدعو الشرطة العسكرية الروسية لتكون على الحدود الفاصلة بيننا، بما يتماشى مع اتفاقية 1974».

وبذلك يبرز الرئيس الشرع ورقة القوة العسكرية الروسية في الجنوب، مشيرًا إلى أن أي تحرك إسرائيلي سيصطدم بوجود روسي داعم لاستقرار سوريا.

أما في ما يخص الموقف الأميركي وحلفائه، فيدعو الشرع إلى إعادة النظر في موقفهم من الدعم الروسي لسوريا، موضحًا أن التصعيد في هذه المنطقة سيزيد من تعقيد الحلول السياسية.

التحديات الاقتصادية: دعوة إلى رفع العقوبات وتحقيق الرفاه

في الملف الاقتصادي، يوجّه الشرع خطابًا حاسمًا للغرب قائلاً: «لقد ورثت دولة منهوبة، خزائنها فارغة ومدمرة، وأزماتها الاقتصادية مستعصية. وعندما بحثت في الأوراق القديمة وجدت أن النظام السابق قد وقّع اتفاقيات مع روسيا والصين لاستثمار الموارد الطبيعية في سوريا».

ورغم خسائر سوريا الكبيرة خلال الحرب، فإن الشرع يسعى للاستفادة من هذه الاتفاقيات لإعادة البناء الاقتصادي، عبر منح الأولوية للشركات الروسية والصينية في تشغيل حقول النفط.

الملفات الأساسية: العشائر، السلام الاقتصادي، والسجناء

ويخاطب الرئيس الشرع إسرائيل قائلاً: «أريد أن أذكّرك بثلاثة ملفات أساسية عليك التعامل معها بنفسك.

أولًا: ملف العشائر العربية في الجنوب السوري، الذين يُقدّر عدد مقاتليهم بما لا يقل عن أربعة ملايين، ولهم جذور تمتد من المحيط إلى الخليج، وهم أصحاب خبرة قتالية كبيرة.

ثانيًا: ملف السلام الاقتصادي، الذي يتعرض لضغوط غربية وتهديدات متزايدة، وهو من الملفات الحساسة التي قد يؤدي انهيارها إلى توترات إقليمية جديدة.

أما الملف الثالث فهو ملف السجناء الموجودين في إدلب، وعددهم عشرات الآلاف من المقاتلين المتشددين، الذين إن تم إطلاقهم في ظروف معينة، فقد يتسببون بكارثة إقليمية».

ويعود الرئيس الشرع ليخاطب الرئيس ترامب قائلاً: «بما أنكم ترغبون في تفعيل السلام الاقتصادي في الشرق الأوسط وإعادة الاعتبار للعالم العربي والغربي، فنحن مستعدون للتعاون والعمل المشترك».

لكنه يضيف محذرًا من أن التلاعب بالملفات وتغيير المواقف قد يدفعه إلى إعادة النظر في تحالفاته الإقليمية، بما في ذلك التعاون مع إيران وروسيا، مؤكدًا أن هذه التحالفات أصبحت أكثر مرونة في ظل المتغيرات الدولية.

يشير الرئيس الشرع في ختام خطابه إلى أن الأهم هو كيفية فهم الرسائل السورية من قبل إسرائيل وأميركا، لأن هذا الفهم سيكون حاسمًا في رسم ملامح السياسة المستقبلية في المنطقة.

وبينما يسعى الشرع إلى استغلال التوترات الإقليمية والدولية لصالح سوريا، يعكس خطابه توازنًا دقيقًا بين مصالح الدولة السورية من جهة، واستخدام القوى الكبرى لتحقيق أهداف استراتيجية من جهة أخرى.

إنّ هذه المرحلة السياسية تشكل محطة حاسمة لسوريا في إعادة ضبط علاقاتها مع القوى الكبرى، وفي رسم خططها المستقبلية لضمان بقائها وقوتها في وجه التحديات.

شارك المقال