“العليق” و”الغارة”

ميسر الشمري

لا نيّة للآخر أن ينهي ملف الأقليات في الوطن العربي. العرب أنفسهم لا يملكون خيار هذا الملف. العرب تركوا ملفات كثيرة وراء ظهورهم منذ العام 1948. اختاروا القضية الفلسطينية عنواناً لهويتهم القومية، متجاهلين قضايا “داخلية” أخطر بكثير من القضية الفلسطينية، وهي قضايا تهدد الهوية القومية للعرب كجزء من هذا العالم.

الآخر، الذي يعتقد العرب أنه وراء كل مؤامرة ضدهم، يعرف متى يلعب بورقته الرابحة، وترك للعرب حرية النباح والركض وراء “قضية العرب الأولى” لأن هذا الآخر يعلم أن نهاية الركض هي التعب ومن ثمّ “اللهاث”.

أهمل العرب ملف الأقليات فداءً لما هو أهم، بحسب اعتقادهم. تركوا ملفات التنمية والديمقراطية، وأن التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الواحد لا يتأتى بالأنظمة الشمولية، وإلا لما وصل الأمويون لحكم نصف الكرة الأرضية.

الآخر، الذي هو وراء كل مؤامرة ضد العرب، من وجهة نظر الحكام العرب طبعاً، فتح بعيداً عن القضية الفلسطينية ممرات آمنة للوصول إلى أوراقه الرابحة، بدءاً من سايكس بيكو.

اتفاق سايكس بيكو كان من الممكن أن يوحد العرب لولا جهلهم بأنظمة الحكم ونوعيتها آنذاك. سايكس بيكو وضعت خطوط حدودية لإمارات عربية غير مستقلة، كان بإمكان العرب تحويل هذه الخطوط/الحدود إلى حكومات فيدرالية، لكنهم آثروا غير ذلك. وهكذا توزع العرب على بضعٍ وعشرين دولة شبه مستقلة، والقادم أخطر. خرج بعد ذلك القوميون العرب، الوحدويون العرب، البعثيون، الشيوعيون، الماركسيون العرب، الماويون العرب، وكان “الآخر” ينسج خيوط عشه في جنوب السودان والدلتا ويكرّس مسيحية لبنان، ويسمح لتركيا باستقطاع إقليم عربي كامل، ويمنح شاه إيران الأرض التي يقتات منها الفرس اليوم.

التراتبية والتواريخ غير مهمة. الأتراك سرقوا لواء إسكندرون قبل أن تسرق إيران دولة عربستان بسنوات. الآخر فتح قنوات مع الأقليات العرقية لكنه لم يثق بها آنذاك، لكون هذه الأقليات العرقية تبادله نفس الشعور. الأكراد مثالاً.

الأكراد أسسوا دولة “مهاباد” في العام 1946، والتي أنهاها الآخر في العام ذاته. لهذا اتجه هذا الآخر إلى التقسيم الإثني والطائفي، ليحفّزه نجاحه في جنوب السودان للمضي قدماً في هذا المشروع.

حاول الآخر جرّ العراق إلى هكذا مشروع، لكن المقاومة الشعبية العراقية أفشلت التقسيم ورسم حدود جديدة. اكتفى الآخر بأن زرع بذرة الفرقة: سنة، شيعة، عرب، كرد… إلخ.

أسس هذا الآخر في لبنان دولة داخل الدولة. يحاول اليوم رسم خريطة جديدة في سورية، من خلال الأقليات التي أُهمل وجودها كل من مرّ وتمترس في كراسي الحكم. تجربة أكراد العراق تغري أكراد سورية. “الكيان” يحتاج إلى كانتون درزي يشاركه الشعور بالخوف والغدر. العلويون يرون أنهم الأحق بحكم الساحل، فيما السنّة، وهم الأكثرية، يتحركون بخجل مصطنع.

الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع انتبه لهذا الخلل، لكنه للأسف بدأ في حلحلته من المكان والمكون الخطأ، والمثل البدوي يقول: “ما ينفع العليق نهار الغارة”.

شارك المقال