كل وقت صالح للبدء فابدأ

الراجح

يقول الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي:

“كل وقت صالح للبدء، فابدأ. إنما الحاضر ماضٍ. وإلى مستقبل الأيام نمشي.”

لكن ما يزيد في تعقيد المسألة الفلسطينية هو طغيان البعد الديني المتطرف في العقود الأخيرة على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء، مع انحسار ملحوظ للقوى العلمانية لدى كليهما. هذا التحول فاقم من صعوبة المسألة وأدّى إلى تراجع فرص الحلول المعتدلة.

ما كانت الحركة الفلسطينية يوماً علمانية، كان قائدها لعقود، مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني، الذي درس العلوم الدينية في القاهرة على يد الشيخ رشيد رضا، كان وثيق الصلة بالكثير من قيادات الإخوان المسلمين بعد تأسيس الحركة عام 1928.

منظمة التحرير، التي تُعَدّ حركة فتح عمودها الفقري، لم تكن ظاهريًا حركة إسلامية، لكن قياداتها كانوا من المسلمين، وبعضهم كان من الغُلاة، والأقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين.

في المقابل، لم يكن المسيحيون الفلسطينيون، الذين شكلوا التنظيمات اليسارية، أساس القرار الفلسطيني يوماً، رغم سعيهم الدائم لنسج علاقات مع الرموز اليسارية في حركة فتح. وإنما، ولخيبة أملهم، بدأ أولئك الفتحاويون – وخاصة المسيحيون منهم – بإشهار إسلامهم بعد الثورة الخمينية.

ما أخفته فتح، جهرت به “حماس”. فالمادة الخامسة من ميثاق حماس (الصادر عام 1988) تؤكد بوضوح: “حيثما وجد المسلمون الذين يتخذون الإسلام منهج حياة لهم في أي بقعة من بقاع الأرض، فهي بذلك (أي حماس) تضرب في أعماق الأرض وتمتد لتعانق السماء…”.

هذا البعد الديني الطاغي لدى الفريقين، وإن تفاوت بشكل كبير، يحول دون إجراء قياس بين القضاء على “دول المحور” في الحرب العالمية الثانية وهزيمة محور حماس وحزب الله في الحرب الأخيرة.

يَذكر السفير والوزير السابق الأسبق (مش مهم) نبيل عمرو أن حياة ياسر عرفات كانت سلسلة من المآزق، منها المتكرر الذي تعوّد عليه وتعايش مع مؤثراته، ومنها الجديد تماماً. لم يكن عرفات يستأثر بقرار سياسي للخروج من مأزق أو يتخذه على عاتقه وحده، بل كان حريصاً على أن يكون القرآن من ضمن مستشاريه الأكثر تأثيراً.

وكلما كان في حاجة ماسة لرأي أو مشورة أو تشجيع، كان يجمع أكبر عدد ممكن من القادة وأهل الرأي، يستمع للكل ويجادل حتى يتبلور التوجه والقرار. لم يكن ذلك التزاماً مبدئياً بالديمقراطية بالضرورة، وإنما كان لغرض إشراك أكبر عدد من أصحاب المفاتيح والقوى في تحمل ردود الفعل على القرار المتخذ!!

وحين يكون الأمر صعباً، أو ما يسمى عادة في المنابر الإعلامية “مصيرياً” ويتطلب مبادرة، كان عرفات ينفق وقتاً طويلاً في إقناع من معه، ولا يطرح الأمر قبل أن يضمن غالبية كافية لا توافق فقط، بل تلتزم أيضا بخوض المعركة المترتبة على هذا القرار.

ولكن، أين نحن هذه الأيام بغياب أي من هذه الأسس في اتخاذ القرار السياسي؟

واقع الصراع الحالي محكوم بتصدر ثلاثة أطراف دينية: حكومة اليمين الصهيوني، وحزب الله، وحركة حماس. فهل من الممكن، وبمعرفة أبعاد كل فريق من هذه الفرق مع الفارق الأكيد لموقع كل منهم، أن نكون أمام حل قريب لهذه الأزمة؟؟

حين يصبح الحزب حاكماً وبديلاً عن الدولة، بما يوفره من سبل الحياة والوظيفة وتحقيق لمصالح الفرد، يصبح الدفاع عن الحزب في لحظة ما بديلاً عن الدفاع عن الوطن، حتى لو أدى ذلك لتدمير المجتمع ومصالحه. هذا ما حدث في غزة، وهو ما نتج عن فكرة اشتغال الإسلاميين في السياسة.

لقد قيل الكثير عن عبثية هذا الربط بين السياسة والدين: فـالدين هو مجموعة قيم ومبادئ ثابتة، أما السياسة فهي مصالح متغيرة. والفارق بين الاثنين شاسع. وفي حال الخلط، تتحول السياسة إلى تغيير للدين ليتلاءم معها، أو تسييس الدين (تخشيب السياسة) ليتلاءم مع مصالحها.

ويعود السؤال المصيري: هل نحن أمام حل قريب لهذه الأزمة؟

شارك المقال