في بداية شهر تشرين الثاني من العام 2025، تلقت السلطات اللبنانية طلب استنابة من فرنسا، يقضي بالقبض على عدد من الجنرالات الفارين من النظام السوري، والذين دخلوا الأراضي اللبنانية. جاء هذا الطلب تزامنًا مع طلب مماثل من الدولة السورية، ما دفع وزير الداخلية اللبناني، أحمد الحجار، إلى تكليف شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بمتابعة تنفيذ هذا الطلب والتحقيق في القضية.
تفاصيل الاستنابة الفرنسية
وفقًا لمصادر قضائية، تضمنت الاستنابة الفرنسية معلومات عن أرقام هواتف لبنانية يتواصل أصحابها بشكل دوري مع الأشخاص المطلوبين، وهو ما تأكد من خلال مراقبة حركة الاتصالات التي تجريها السلطات الفرنسية في سياق تعقب كبار قادة النظام السوري السابق. وأكدت المصادر أن هذه المعلومات ستكون في صميم المتابعة والتحقيقات التي ستجريها شعبة المعلومات.
وتشير صحيفة “الشرق الأوسط” الصادرة بتاريخ 3 تشرين الثاني 2025، والتي حملت عنوان: “لبنان يتسلّم استنابة قضائية فرنسية لتوقيف رموز في نظام الأسد، اتُّهم الحسن ومملوك ومحمود بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية”، إلى أن: “الاستنابة الفرنسية لم تكن الإجراء الدولي الوحيد الذي يطال شخصيات النظام السوري السابق. فقد سبق أن تلقت السلطات اللبنانية برقية رسمية من الإنتربول الدولي، بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن القضاء الأميركي، تطلب القبض على اللواء جميل الحسن في حال تواجده على الأراضي اللبنانية أو دخوله إليها، وتسليمه إلى الولايات المتحدة. كما شملت المذكرة أيضًا طلبًا لتوقيف اللواء علي مملوك، إذا كان موجودًا في لبنان، وتقديمه للقضاء الأميركي”.
تحركات السلطات اللبنانية
في ضوء هذه الاستنابات، استنفرت القطاعات الأمنية اللبنانية لمتابعة تنفيذ طلب الاستنابة الفرنسية، وبدأت التحقيقات اللازمة للتحري عمّا إذا كان الضباط المطلوبون، مثل جميل الحسن وعلي مملوك ومحمود، يتواجدون على الأراضي اللبنانية ويقيمون فيها بشكل مخفي. كما طلب الوزير الحجار مراقبة حركة دخولهم وخروجهم من لبنان، والتحقق ممّا إذا كانوا قد دخلوا البلاد عبر النقاط القانونية المعتمدة.
الضباط السوريون المطلوبون
من بين الضباط السوريين الذين تُطالب فرنسا وسوريا بتسليمهم، أربعة ضباط بارزون كانوا يشغلون مناصب رفيعة في النظام المخلوع. هؤلاء الضباط كانوا من ركائز عمليات القتل والتعذيب التي مارسها النظام ضد المعارضين السوريين بعد اندلاع الثورة عام 2011. وجاءت مطالب تسليمهم بعد لجوئهم إلى لبنان تحت حماية خاصة، بعيدًا عن أنظار الدولة اللبنانية، إذ لا تعرف السلطات اللبنانية بوجودهم إلا من خلال الاستنابات الدولية. وفيما يلي تفاصيل عن هؤلاء الضباط المطلوبين:
1- اللواء جميل الحسن: رئيس المخابرات الجوية السورية، ويُعتبر أحد أبرز مهندسي حملة العقاب الجماعي ضد السوريين بعد ثورة 2011. يُعد الحسن من أبرز المطلوبين دوليًا، ويُعتبر مسؤولًا عن استخدام البراميل المتفجرة في قصف المناطق السكنية، وهو من أبرز مجرمي الحرب السوريين.
2- اللواء كمال حسن: رئيس شعبة المخابرات العسكرية، وقد شغل منصب مدير الفرع 227 التابع لشعبة المخابرات العسكرية. يُعتبر هذا الفرع المصدر الرئيس لتسريب “صور قيصر”، التي تُظهر عمليات التعذيب والتصفية في السجون السورية. بعد سقوط النظام، كان الحسن من آخر المغادرين لسوريا، ويسعى الآن إلى استعادة سلطته المفقودة من خلال تمويل الفلول السوريين.
3- العميد عبد السلام محمود: رئيس فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، والذي يُعرف بسمعته السيئة في عمليات التصفية والتعذيب. من أبرز ضحاياه الطفلان ثامر الشعلان وحمزة الخطيب. ويُعتبر أول ضابط أمني يُدرج على قائمة العقوبات الأميركية مع أفراد أسرته.
4- اللواء علي مملوك: مدير مكتب الأمن القومي السوري، ويُعد من الشخصيات البارزة في النظام السوري. يُعتبر مملوك “الصندوق الأسود” للنظام السوري، وقد اتُّهم بتجربة أسلحة كيميائية ضد معتقلين سياسيين في سجن تدمر عندما كان مشرفًا على تطوير البرنامج الكيميائي السوري (1985-1995). شغل مملوك منصب رئيس المخابرات العامة عام 2005، وبعد تفجير الخلية الأمنية في دمشق، عُيّن رئيسًا للمكتب الأمني القومي، ثم أصبح مستشارًا للأمن القومي في سوريا.
التحديات أمام السلطات اللبنانية
على الرغم من المطالب الفرنسية والسورية بتسليم هؤلاء الضباط الفارين، لا يزال لبنان يواجه تحديات في تنفيذ هذه الاستنابات. إذ تنفي الدولة اللبنانية وجودهم على أراضيها، أو امتلاك معلومات دقيقة عن عناوين إقامتهم أو عبورهم النقاط القانونية. كما أن العلاقات المعقدة بين لبنان والنظام السوري قد تُسهم في تعقيد هذه القضية. وبالتالي، يبقى السؤال قائمًا: هل سيُسلّم لبنان هؤلاء الضباط السوريين المتواجدين على أراضيه، أم سيواجه ضغوطًا دولية قد تؤدي إلى مواجهة مع المجتمع الدولي؟
إن قضية تسليم الضباط السوريين الفارين من العدالة إلى السلطات الفرنسية والسورية تمثل نقطة توتر حاسمة في علاقات لبنان مع الدول الغربية والعربية. ففي الوقت الذي يسعى فيه لبنان إلى الحفاظ على علاقاته مع سوريا، يواجه أيضًا ضغوطًا من المجتمع الدولي للامتثال لطلبات العدالة الدولية. ومع استمرار التحقيقات والمتابعة من قبل السلطات اللبنانية، ستظل هذه القضية واحدة من أبرز التحديات في سياسة لبنان الخارجية خلال الفترة المقبلة.


