الراقصة وجبران

الراجح

ذكرني حديث جبران باسيل، بإطلالته المميزة مع ماريو عبود وشعاره الجديد “لوحدنا”، بناهد صبري؛ الراقصة المصرية الشهيرة – وهي طبعاً من القرن الماضي – حيث رقصت في أحد الملاهي الليلية في لندن، وكان خالياً إلا من عمال الملهى وصاحبه، وطاولة وحيدة جلس إليها شخص واحد أتى لإجراء حديث صحفي معها.

الرقص الشرقي هو من أغلى ما في تراث العرب بعد سقوط الأندلس. والرقص الشرقي أنواع؛ فمنه الفني المعتمد على “هزّ الوسط”، ومنه السياسي – المعدَّل لبنانياً – والقائم على هزّ المجتمع وخلخلة تركيبته الهشّة!

هذا المقطع ليس خروجاً عن الموضوع، بل هو تابع لموضوعنا عن ناهد صبري وجبران باسيل؛ وإليكم التفاصيل وعليكم الربط:

أذاع مقدّم البرامج في الملهى اللندني بصوته الجهوري، مكرراً قاموس التقديم العربي الذي لا يخلو من عبارات التفخيم والتمجيد والإطراء السمج: “إن راقصة النيل الأولى وسيدة الرقص الشرقي، ناهد صبري، ستطلّ على المسرح وعلى الجمهور”.

كلّ الكلام صحيح إلا فيما يخصّ الجمهور؛ فالصالة كانت خاوية، والجمهور – كالحال دائماً – “ضمير مستتر”، أي غير موجود إلا في الأخبار. أشار صاحب الملهى بيده داعياً جميع العاملين إلى التجمع حول طاولته استعداداً للتصفيق (وإذا اقتضى الأمر، للهتاف بحياة ناهد صبري). قد تقول في نفسك: “مستحيل أن ترقص ناهد؛ كيف ترقص من دون جمهور؟!” (لوحدها)… “لوحدنا”… لا فرق!

يخيب ظنك، وتطلّ “الست ناهد” وترقص وتتراقص وتبتسم شاكرةً الجمهور (غير الموجود)، وتستمر على هذه الحال ما يزيد على الساعة؛ فتشك في نفسك وتقنعها بأن الصالة تعجّ بالجمهور، وتبدأ بملاحظة احتشاد الناس، حتى إنك تسمع هتافاتهم بعد نهاية الوصلة. وكان فجر لندن قد أطلّ خجولاً بارداً كعادته. دار بينها وبين الصحفي المسكين هذا الحوار:

– يا ست ناهد، رقصتِ بحرارة غير معقولة، مع علمك بأنك كنتِ ترقصين من دون جمهور؟! لوحدك…

– “اسمع يا أستاذ… أنا راقصة محترفة، إذا توقفتُ عن الرقص أمرض وأشعر باليأس؛ فالرقص عندي متعة خاصة. لم يكن هناك جمهور، صحيح (لوحدي)، ولكن أقنعتُ نفسي بأن الصالة تعجّ بالناس، ورحتُ أتخيّل هتافهم وصراخهم وأزيد من الرقص حتى انفعَلت. وللحقيقة، عندما نزلتُ عن المسرح لاحظتُ أن الصالة خالية، لكن الأمر لم يعد يعنيني لأن وصلتي قد انتهت. ويجب أن تعرف أنني أتقاضى مبلغاً ضخماً ثمناً لرقصي، وبمجرد وجود صاحب الملهى — كونه يدفع الأجر — فأنا أرقص”.

ثم سألت الصحفي:

– “أتعرف لعبة الإعلام والجمهور؟”

– “لا يا ست”.

– “اسمعها إذن: الناس — أي الجمهور — بالنسبة لي أصوات. أنا لا أعدّ الطاولات، ولا أستطيع دراسة ‘النوعية’؛ ما يطربني هو الموسيقى. فرقتي الموسيقية كالحرس الخاص، أفهم عليهم ويفهمون عليّ، والباقي ‘ديكور'”.

وبعد إجابتها عن رأيها براقصات زمانها، ووصفها لهن، وإعطائهن شهاداتٍ تشبه تلك التي أعطاها جبران باسيل لبقية المرشحين غيره، أنهت ناهد صبري حديثها بأن يدها ممدودة لإنهاء الخلافات، وإيجاد صيغة تعاون تكون بمثابة “الأرضية المشتركة” لجميع المحاور التاريخية والجغرافية. ولا مانع لديها من التسميات: مشروع “وفاق”، مشروع “ميثاق”؛ المهم هو الاتفاق؛ لأنها وأخواتها الراقصات “أخوات سلاح”، يعانين المشكلات نفسها الآتية من “العذّال” — أي من الخارج.

وواصلت مخاطِبةً، لا بل مبتهلةً إلى “القدير العزيز”، أن تُقصَر الأيادي عن الفقراء والمحتاجين، داعيةً إلى رفع الصوت؛ ليس ندباً أو بكاءً، بل لنصرة الحق وقطع دابر الفساد، وليكن الشعار: “نموت ونحن نرقص، أو يموت الجمهور من رقصنا… ونتابع المسيرة”.

أما بعد، فهذا يا صديقي حديثٌ للعامة؛ أما الخاصة، فقد تركنا لهم المعاني بين السطور، بما في ذلك بطلة الحديث!

ملاحظة: العنوان مستوحى من الفيلم المصري “الراقصة والطبّال”.

شارك المقال