حين يصبح الانتظار وطنًا مؤقتًا

د. نسب مرعب

يمثّل الانتظار محاولةَ الفكر أن يجد في غده ما يفتقده في يومه، وهو لهفةُ الأنا للقاء الآخر ولو من دون علمه. الانتظار هو المساحة التي لا تشبه شيئًا، والدليل أن الفرص لم تتبلور بعد، والأسئلة لم تجد إجاباتها التائهة. وإنّ الانتظار هو خلوّ المواقع وشغور الزمان من شاغلي الذهن والروح معًا.

الانتظار هو الوقت الوحيد الذي نسعد أنه يمرّ رغم إدراكنا أنه يمضي من حياتنا. هو ذاك النهر الذي لا ضفاف له، ويبدو لك واقفًا ولو في عزّ جريانه.

الانتظار هو جسر بين المكوث والرحيل، بين ما لا يظلّ وبين ما لم يولد بعد. هو امتداد للأمل حتى من دون أفقٍ بائن. وعندما تنتظر إنسانًا تترقب خطواته كمن يتلمّس شعاع النور في ظلمة النفق، وعندما ننتظر حدثًا نحيا تاريخه قبل أن يُكتب، ونتخيّل فيه المستجدّات وكأن الأوان قد فات.

الانتظار عتبةٌ نستغرق في تخطيها دهرًا. فهل هو مجرد انتقال أم فسحة استعداد لا مفرّ منها؟ وهل ينفع الانتظار أم هو عجز المبادرة ومراوحة التلكؤ؟

ينبع الانتظار من التردد أو من عقم التجارب وضآلة الآتي. الانتظار ليس انكفاءً بقدر ما هو واقعية، وليس استسلامًا بقدر ما هو ثقة بالقادم الأجمل الذي يحاكي التوقعات ويتماهى مع الحلم.

وما بالك بوطنٍ كامل ينتظر، أو بالأحرى تحوّل الانتظار إلى وطن برمّته، حيث نلمح نهاية حرب في بداية جولة، وحيث التنبؤ بالمستقبل المزدهر يطغى على نعيق التكهّنات الكئيبة. ننتظر القائد الذي عرفناه، فلم يعد بإمكاننا إنكاره، فالبدائل كلها ظلال تتطابق دون أن تصنع وهجًا، وتتكاثر دون أن تبني دولة.

الانتظار لا يكون قرارًا بل قدر الأوفياء، وهو تأكيد على استحالة التبدّل. الانتظار فكرة حلوة وشاقة في آن، تختزل طريقًا لا يسلكه سوى المتمسّكين بالقضية مهما طال الصبر الثقيل، ولو على حساب إهدار المناسبات السانحة في سياق العابثين بالسياسة والمنتحلين لصفات الوطن المؤقت.

كلمات البحث
شارك المقال