الطريق الثالث: خيار السنّة بين الحرب والتقسيم

رامي بلال حافظ

​في كل محطة مفصلية من تاريخ لبنان، كان موقف السنّة هو العامل الحاسم في ترجيح كفة الدولة على حساب الفوضى، وما شهدناه خلال الأشهر الأخيرة ليس استثناءً. ففي الوقت الذي انقسمت فيه الساحة اللبنانية بين من أراد إبقاء البلاد رهينة الحروب المفتوحة، ومن اندفع نحو خطابات تصعيدية لا تقل خطورة، اختارت البيئة السنيّة، ومعها المرجعيات الوطنية، الوقوف خلف الدولة والجيش والمسار التفاوضي، باعتباره الطريق الوحيد القادر على استعادة السيادة وإنهاء الاحتلال ضمن إطار الشرعية الدولية.
​هذا الموقف لم يكن وليد اللحظة، ولا نتيجة حسابات ظرفية، بل هو امتدادٌ لمسار سياسي متراكم منذ عقود. فمنذ إعادة تكوين الدولة بعد الحرب الأهلية، ارتبط المشروع السياسي السنّي بفكرة بناء المؤسسات، والتمسك باتفاق الطائف، والانتماء العربي للبنان، والإيمان بأن السلام العادل لا يتحقق إلا عبر الدولة، لا عبر الميليشيات أو منطق المحاور.
​ولعل أبرز من جسّد هذه الرؤية هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي لم يكن مشروعه مجرد إعادة إعمارٍ للعاصمة، بل إعادة إعمارٍ لفكّرة الدولة نفسها؛ فقد آمن بأن لبنان لا يمكن أن يحيا إلا من خلال مؤسساته وعلاقاته العربية والدولية، وبأن أي مشروع يتجاوز الدولة سينتهي حتماً إلى إضعافها.
​ولم تكن مبادرة السلام العربية، التي أُقرت بالإجماع في قمة بيروت عام 2002، بعيدة عن هذا المنطق، بل جاءت تجسيداً عربياً جامعاً له: سلامٌ تحت سقف الشرعية، وتفاوضٌ بديل عن المغامرة، ودولةٌ في مواجهة منطق الميليشيا والمحاور. فقد قدّم العرب يومها أكبر مبادرة سلام جماعية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي: اعتراف كامل مقابل انسحاب إسرائيلي كامل إلى حدود عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة.
​لقد قال العرب، ومن بينهم لبنان، بوضوح إنهم ليسوا دعاة حرب أبدية، لكنهم أيضاً لا يقبلون سلاماً يقوم على الاستسلام أو تصفية الحقوق الفلسطينية.
​ولهذا، يبقى سقف الموقف السنّي في لبنان واضحاً: العودة إلى اتفاق الهدنة وتطويره ضمن ما يمكن تسميته بـ “هدنة بلس”، بما يضمن إنهاء الاحتلال، وتثبيت الأمن، واستكمال تنفيذ القرارات الدولية، بالتوازي مع التمسك الكامل بمبادرة السلام العربية باعتبارها المرجعية السياسية الأشمل لأي تسوية إقليمية.
​اليوم، يحاول البعض تصوير السنّة وكأنهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الالتحاق بمشروع الحروب المفتوحة، أو الانخراط في خطاب سياسي يدفع نحو مواجهات داخلية أو مشاريع تقسيمية وفيدرالية.
​لكن الحقيقة أن هذا الخيار زائف؛ فالسنّة في لبنان لم يكونوا يوماً دعاة حروب أهلية، كما لم يكونوا جزءاً من مشاريع تقسيم البلاد. تاريخهم السياسي كان دائماً مرتبطاً بالدولة المركزية، والشراكة الوطنية، والحفاظ على وحدة لبنان.
​ولهذا جاءت العبارة التي أطلقها سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لتختصر هذه الحقيقة:
​”لا دولة بلا السنّة.”
​ليست هذه العبارة تعبيراً عن امتياز طائفي، بل توصيف لدور تاريخي. فالطائفة السنية، بحضورها الممتد من بيروت إلى طرابلس، ومن صيدا إلى عكار والبقاع وإقليم الخروب، كانت دائماً مساحة الوصل بين المكونات اللبنانية، والعامل الذي يمنع انهيار الصيغة الوطنية نحو الاحتراب المذهبي.
​ولذلك، فإن مسؤولية السنّة اليوم لا تقتصر على حماية موقعهم السياسي، بل تمتد إلى إعادة بناء المساحة الوطنية الجامعة؛ مساحة تحتضن أهل الجنوب والضاحية باعتبارهم جزءاً أصيلاً من النسيج اللبناني، وتقطع الطريق أمام كل محاولات إشعال الفتنة السنية الشيعية، التي أثبتت التجارب أنها كانت دائماً مشروعاً مستورداً يخدم مصالح خارجية أكثر مما يخدم اللبنانيين.
​وفي الوقت نفسه، تبقى هذه المساحة مفتوحة أمام الشركاء المسيحيين للعودة إلى منطق الدولة، بعيداً عن هواجس التقوقع أو مشاريع التقسيم؛ لأن إنقاذ لبنان لا يكون إلا بالشراكة، لا بالغلبة.
​وهذا بالتحديد ما جسّده الرئيس سعد الحريري طوال مسيرته السياسية؛ فعلى الرغم من كل الاستفزازات والاغتيالات والانقسامات، بقي ثابتاً على أولوية السلم الأهلي، ورافضاً جرّ جمهوره إلى الشارع أو إلى مواجهة داخلية، واضعاً استقرار لبنان فوق أي مكسب سياسي آني.
​وهي المقاربة نفسها التي تتمسك بها دار الفتوى، ويسير على نهجها رؤساء الحكومات السابقون، حيث تبقى الدولة والجيش والمؤسسات الشرعية هي المرجعية الوحيدة لإدارة النزاعات الوطنية.
​وهنا تكمن الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها: السنّة في لبنان يمتلكون القدرة الحقيقية على قلب أي معادلة وطنية، ليس لأنهم يسعون إلى الهيمنة، بل لأنهم يشكلون “بيضة القبان” بين مشاريع التصادم ومشروع الدولة. وعندما ينحاز هذا المكوّن إلى المؤسسات والاعتدال، يصبح من الصعب على أي مشروع آخر أن يجرّ لبنان إلى المجهول.

​إن تمسك السنّة باتفاق الهدنة، ومبادرة السلام العربية، والاعتدال السياسي، لا يعني التخلي عن فلسطين، بل يعني رفض تحويل لبنان إلى ضحية دائمة أو صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية. فالعرب سبق أن قدموا من بيروت نفسها مشروع سلام تاريخياً وشجاعاً، ومن رفض تلك المبادرة أو عطّلها أو دفنها تحت ركام الحروب، لا يملك اليوم حق اتهام الآخرين بالتفريط.
​يبقى نبض بيروت، ومعها المزاج السنّي العام، متجهاً نحو الدولة؛ لأن حماية لبنان، واستعادة مؤسساته، وإنقاذ اقتصاده، وإنهاء الاحتلال عبر الشرعية الدولية، ليست تنازلاً، بل هي الطريق الواقعي الوحيد للحفاظ على كرامة الإنسان اللبناني، وصون هوية الوطن، ومنع سقوطه مرة جديدة في دوامة الحروب التي لم ينتصر فيها أحد، وخسر فيها الجميع.

شارك المقال