انقلبت مدينة طرابلس رأسًا على عقب أمس، فور الإعلان عن موعد زيارة وزير الخارجية السوريّ أسعد الشيباني إلى دار الفتوى فيها، إذْ تجمّع الآلاف من المواطنين قبل ساعات من وصوله عند مستديرة السلام على مدخل المدينة الجنوبيّ، ممّا تسبّب بزحمة سير خانقة ومفاجئة، حيث رفعوا اللافتات الترحيبية ووثّقوا بكاميراتهم مشهدًا لم تشهده المدينة منذ أعوام.
ومن نقطة السلام، انتقلت مظاهر الاحتفاء بالموكب وصولًا إلى الموقع المقابل لمبنى الدّار في شارع الجمّيزات، حيث بادر البعض بالتمسّك بسيّارة الشيباني وسط إجراءات أمنية مشدّدة واستثنائية. وفور دخوله الصرح، أطلّ الشيباني من الشرفة ليُحيي الحشود، وهي خطوة عدّها المتابعون خروجًا عن البروتوكول الرّسمي والبرنامج المُعدّ مسبقًا، إلا أنّ حفاوة المواطنين، هتافاتهم وتكبيراتهم دفعته إلى التفاعل معهم وتقدير مشاعرهم.
وفي تصريح له، اعتبر الشيباني أنّ الزيارة تعبير عن الوفاء لأهل طرابلس الذين ساندوا الثورة السورية بكلّ تقدير، مؤكّدًا أنّ لقاءه بفعاليات الشمال، السياسية، الدّينية، والنّقابية، كان مميّزًا وطموحًا، وفرصة لتعزيز العلاقات اللبنانية- السورية.
وفق المعطيات، استعرض اللقاء محاور عدّة تمسّ لبنان وسوريا على حدّ سواء، في ظلّ مرحلة جديدة من إعادة ترتيب العلاقات بينهما. وتصدّر الجانب الاقتصادي جدول الأعمال، حيث ناقش المجتمعون سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بيْن البلديْن وربطها بدول الخليج، مع التركيز على استثمار مقوّمات المدينة وموقعها الجغرافيّ كبوابة لوجستية. وإلى جانب الملف الاقتصادي، حضر البعد السياسي في النّقاش، لا سيّما ملف الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية، ممّن شاركوا في القتال أو ناصروا الثورة السورية، باعتباره من القضايا التي ما زالت تحظى باهتمام شريحة واسعة في الشمال اللبناني، خصوصًا في طرابلس.
غير أنّ المطّلعين على أجواء اللقاء، أشاروا إلى أنّ الزيارة اتخذت طابعًا سياسيًا واقتصاديًا غلب على ملف الموقوفين، مؤكّدين أنّ طرابلس تُعدّ بوابة بالغة الأهمّية في العلاقات اللبنانية- السورية الحديثة، نظرًا لموقعها الجغرافي وما تتمتّع به من مرافق اقتصادية حيوية.
ويرى المطّلعون أنّ أجواء أمس كانت استثنائية، فزيارة الشيباني تحمل أبعادًا سياسية، لكنّها تميّزت أيضًا بطابع عاطفي ووجداني لدى الجمهور. وبحسب هؤلاء، فإنّ الانفتاح السياسي السوري اتّسم بصبغة سياسية بحتة، بينما لم يعكس ترحيب أهالي طرابلس ومناصرتهم للشيباني فرحتهم بالتخلّص من النّظام البائد فحسب، بل جسّد أيضًا ارتباطهم التاريخي بسوريا على المستويات العقائدية، العروبية والإسلامية، وهو ما يُؤشّر إلى عاطفة تتبنّاها اليوم كلّ طائفة لبنانية تستمدّ حيثيتها من الخارج.
وفي حين أبدى الكثير من الطرابلسيين ترحيبهم بهذه الزيارة، لا يخفى على أحد وجود فئة استنكرت (وإنْ تكتّمت خوفًا من ردود الفعل) هذا الحشد الذي جاء من عكّار إلى المدينة لاستقبال وزير الخارجية السوريّ. وبحسب أوساط طرابلسيّة متابعة، فإنّ هذا الموقف نابع من رفض التبعية لسوريا حتّى ولو تغيّر نظامها وإدارتها، مع التأكيد أنّ سيادة لبنان تبقى دائمًا على المحكّ في ظلّ انقسام اللبنانيين ومشاعر الوحدة التي يُعانون منها. وفي المقابل، يرى الكثيرون في طرابلس أنّ سوريا الجديدة تُمثّل الأمان الوحيد اليوم، بينما ساد امتعاض آخر، بسبب حضور شخصيات كانت مناصرة للنّظام البائد، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وكأنّ شيئًا لم يكن.
وفي ظلّ هذه الأجواء، برزت انتقادات إعلامية ودينية لافتة لهذه الفعالية، فإعلاميًا، استهجن صحافيّون من طرابلس أسلوب تعاطي دار الفتوى معهم، بعد استثناء بعضهم من الدّعوات أو منعه من دخول الصرح. وانتقد نائب نقيب محرّري الصحافة اللبنانية غسان ريفي في بيان له اعتماد مبدأ “الانتقائية” في اختيار الصحافيين واستثناء آخرين لا سيما أولئك الذين يُمثّلون الصحافة المكتوبة والمسموعة. كما انضمّت الصحافية روعة الرفاعي إلى قائمة المنتقدين بعد استثنائها أيضًا، معبّرة عن امتعاضها بالقول: “المفاجأة كانت في تعدّد المبرّرات، إلى أنْ وصل الأمر إلى القول إنّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني هو من حدّد أسماء الوسائل الإعلامية التي يرغب بحضورها. وهنا كان الاستغراب أكبر: كيف يُمكن لدار الفتوى في طرابلس أن تتذرّع بهذا التفسير لتبرير استبعاد إعلاميين؟”.
ولم يقتصر الاستثناء وفق الأوساط الطرابلسيّة على الجانب الإعلاميّ فحسب، بل امتدّ إلى الجانب الدّيني أيضًا، حيث استغربت هذه الأوساط، من غياب الرّئيس السابق لهيئة العلماء المسلمين وإمام وخطيب مسجد التقوى في طرابلس الشيخ سالم الرافعي، واعتبرت هذا الغياب موقفًا غير مسؤول، خصوصًا أنّ للشيخ
دورًا بارزًا في مناصرة الثورة السورية وتبنّي مواقفها. وقد جاء هذا الاستغراب في ظلّ غياب أيّة معطيات توضح سبب هذا الغياب، سواء من جانب الوزير السوري أو من دار الفتوى والمعنيين بهذا الشأن.


