في المناطق الشمالية من المملكة العربية السعودية، تلك المناطق التي تقع على طريق الشحن البري بين دول الشام والخليج العربي، وُلد جيل كامل من المثقفين والكتّاب والشعراء السعوديين.
كانوا شبابًا صغارًا، ربما في المرحلة الثانوية أو دونها، يجمعون مصروفهم المدرسي ليعطوه سائق إحدى الشاحنات المتجهة إلى لبنان، ليزوّدهم بالمجلات الأدبية (الأسبوعية والشهرية) وبعض الكتب الصادرة في لبنان. ولهذا وغيره، أنجبت المدن السعودية الواقعة على خطّ التابلاين (بدءًا من القريات على الحدود الأردنية غربًا، وصولًا إلى ضفاف الخليج العربي شرقًا) عددًا من المثقفين السعوديين الذين تقلّدوا مناصب وزارية وأكاديمية في المملكة.
كنّا صغارًا نحلم برؤية لبنان الجميل، لبنان الثقافة والمكتبات. كنّا نرى في لبنان مطبعة كبيرة، والحقيقة أنّه كان كذلك.
دار صادر، مكتبة لبنان، الناشرون، دار الآداب، دار العلم للملايين، ودار الشروق…
كنّا نطلب من سائقي الشاحنات كل ما تطبعه لبنان، بما في ذلك مجلة “طبيبك”.
كبرنا، وأصبح بإمكاننا زيارة بيروت بمفردنا، لكن لبنان بدأ يتغيّر. اشتعلت فيه نيران الحزبية والطائفية السياسية. لبنان الثقافة أصبح ساحة للجهل. أصابع كثيرة لم تكن تريد “لعشقنا” أن يبقى منارة لأمّة بدأت تكره المطبعة وتحرق الكتاب. جيران وأشقاء رأوا في لبنان خطرًا على وجودهم.
كظمنا غيظنا وقلنا: سنرى لبنان الذي عشقنا فيه كل شيء. هربت بعض دور النشر إلى أوروبا، واستبدلنا سائقي الشاحنات بطيّاري الخطوط الجوية. إذ ما إن يسألك صديقك المسافر غربًا عمّا إذا كنت تريد شيئًا من لندن، إلا وتقول له: “أحضر لي معك آخر إصدارات دار الريس”.
فجأة ظهر من رماد الحرب العبثية في لبنان “فينيق” لبناني جديد: رفيق الحريري. مؤسس “الحريرية السياسية”، الذي سيصبح لاحقًا “شهيد لبنان”.
أعاد الحريري، الرجل الخجول والقادم من عالم الاقتصاد، جزءًا كبيرًا من وجه لبنان الذي كنّا نتخيّله.
من بوابة الاقتصاد رمّم علاقات بلاده السياسية. طائرته قطعت مئات آلاف الأميال من أجل لبنان. مؤتمرات دولية، ندوات، ورش عمل عالمية لإعادة إعمار وطن هدّمته الحروب العبثية. ابتعث الشهيد الحي في ذاكرة وطنه آلاف الطلاب من جميع طوائف لبنان. كان لبنانيًا بحق. أعاد للوسط التجاري جماله. مدّ يده لمن هدموا لبنان، وهو يعلم أنّهم يخططون لاغتياله. وهب روحه لوطنه.
أنا وأبناء جيلي لم نصدّق أنّ مطار بيروت (رفيق الحريري لاحقًا) فتح بواباته ومدرجاته لاستقبال محبّي هذا الوطن الصغير جغرافيًا. أخيرًا زرنا لبنان…
رأينا في بيروت أصدقاء أحياء، وزرنا قبور آخرين. كسبنا أصدقاء جدد يشاركوننا حب لبنان.
لم أكن أحتفل بعيد ميلادي، ليس لأنني متطرّف وأعتبر أنّ الاحتفال بعيد الميلاد بدعة، بل لأنني وُلدت في ذلك اليوم الذي يحتفل فيه العالم بذكرى أو عيد “الفالنتاين”.
في 14 شباط 2005، تبادل الحريري، كعادته، الحديث مع أصدقائه في مطعم “ليتوال”. بعد ذلك بدقائق، اغتال الحقد الأعمى الرجل الذي أشعل أصابعه شموعًا ليضيء وطنًا أعيته الحروب والمؤامرات. في يوم ميلادي قتلوا رفيق الحريري.


