سيناريوهات شائكة ومتناقضة حيال تنفيذ خطة ترامب في غزة

لبنان الكبير

يعتبرون في إسرائيل أن عدم تمكن حركة “حماس” من إعادة جثث 24 أسيرا إسرائيليا هو خرق لاتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بموجب خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي بدأ تنفيذها أمس، الإثنين، بإفراج “حماس” عن 20 أسيرا على قيد الحياة وجثث أربعة أسرى، مقابل إفراج إسرائيل عن 1968 أسيرا فلسطينيا.

ويوجد في جهاز الأمن الإسرائيلي اختلاف في الآراء حول كيفية التعامل مع عدم إعادة جثث الأسرى الإسرائيليين، أو مع أي تطور تعتبره إسرائيل خرقا للاتفاق من جانب “حماس”. وتحدث قائد القيادة الجنوبية للجيش، يانيف عاسور، مع قادة فرق عسكرية في قطاع غزة حول تنفيذ “رد فوري وفتاك بكل ما يتعلق بإزالة تهديد داهم أو رصد عمليات مشبوهة تهدد القوات”، حسبما ذكر موقع “واللا” الإلكتروني اليوم، الثلاثاء.

من الجهة الأخرى، قالت مصادر أخرى في جهاز الأمن إن القرارات بهذا الخصوص يجب أن تتخذ في أعقاب تقييم للوضع لكل حدث على حدة، وأن تخضع القرارات لمصادقة وزير الأمن، يسرائيل كاتس.

وأشار المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، اليوم، إلى أن “حماس” تواجه صعوبة في العثور على قسم من جثث الأسرى الإسرائيليين، “وتجاه القسم الآخر تمارس “حماس” حربا نفسية. وستضطر إسرائيل، بمساعدة الوسطاء، إلى الاستمرار في ممارسة ضغط شديد على حماس من أجل أن تعيد جثث أخرى، لكن على الأرجح أن بعضها ستبقى لغزا لن يتم حله لفترة طويلة”.

وأضاف هرئيل أنه “بالنسبة لترامب، الحرب انتهت وإسرائيل انتصرت. والآن، ينبغي التقدم نحو الثمار: اتفاقيات تطبيع علاقات مع دول عربية في المنطقة وربما مع دول إسلامية بعيدة، وفي مقدمتها إندونيسيا، إضافة إلى فرص اقتصادية غير محدودة. كما أوضح ترامب أمرين آخرين: محبته وتقديره الشخصي لنتنياهو ودعمه غير المحدود لإسرائيل. وبعد الضربة التي أنزلتها “حماس” في 7 تشرين الأول، وبعد حرب طويلة ومنهكة، الدعم الأميركي هو الأكثر أهمية لمكانة إسرائيل الدولية والإقليمية. والتطورات اللاحقة متعلقة كالعادة باهتمام ترامب بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني”.

كذلك نقلت وكالة “رويترز”، اليوم، عن محللين قولهم إن ترسيخ إرادة لسلام دائم يتطلب من ترامب أن يواصل الضغط على الرجل الذي سيحتاج إلى دعمه في المراحل التالية من خطته، وهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وأن العمل الشاق سيبدأ بعد مرحلة التوصل إلى الاتفاق وتبادل الأسرى.

إذ لا تزال إسرائيل و”حماس” منقسمتين بشكل حاد حول عدد من جوانب خطة ترامب المكونة من 20 بندا، وبينما تستعد إسرائيل لانتخابات، في العام المقبل، ربما يتغير نهج نتنياهو في الوقت الذي يحاول فيه الحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني.

قوة خطة ترامب هي مصدر ضعفها أيضا

ونقلت رويترز عن رئيس المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية “ميتافيم”، نمرود غورن، قوله إنه “ندخل عاما سياسيا يرتبط فيه كل شيء بالحملات الانتخابية، وربما تنقلب حسابات نتنياهو من الرضوخ للضغوط إلى محاولة لضمان بقائه السياسي”.

ويرى دبلوماسيون ومحللون أن قوة خطة ترامب للسلام هي أيضا مصدر ضعفها. فالوثيقة التي تشكل جوهر الصفقة تغفل الكثير من التفاصيل، ولم يوافق أي من الطرفين فعليا على التفاصيل الدقيقة لكل بند. وكان هذا الغموض عاملا أساسيا في إقناع الطرفين بالتوقيع، لكن الأمر نفسه يعني أن جانبا من أصعب المهام الدبلوماسية بدأ للتو.

ومن بين نقاط الخلاف المحتملة في خطة ترامب، الاتفاق على نزع سلاح حماس وعدم توليها لأي دور في الإدارة المستقبلية لغزة. وبينما وافقت “حماس” على خطة ترامب بشكل عام، لم يتطرق ردها الرسمي لهذه البنود تحديدا. وأشار قادة في الحركة إلى أنهم يرون بالفعل دورا لأنفسهم في إدارة غزة بعد الحرب.

وقال خبير شؤون الشرق الأوسط في مركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية والدولية والمسؤول السابق في وزارة الخارجية، جون ألترمان، إن “هناك العديد من الاحتمالات التي ربما تتطور إليها الأمور. ومن الصعب تذكر اتفاق دولي ترك مثل كل هذه الأمور الكثيرة ليتم حسمها لاحقا”.

وأشار مسؤول أميركي كبير إلى أن ترامب اكتسب نفوذا لدى نتنياهو بصورة ما من خلال دعمه القوي لإسرائيل في قضايا مهمة أخرى، بينها اعتراف إدارة ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى رسميا بالقدس المحتلة أنها جزء من عاصمة إسرائيل وبضم هضبة الجولان المحتلة إلى إسرائيل.

وقال المسؤول الأميركي إن “أحد الأمور التي فعلها الرئيس ترامب مع إسرائيل هو أنه لا يحاول أن يكون في منتصف الطريق. لقد وقف جنبا إلى جنب مع إسرائيل بنسبة مئة في المئة. وبفضل ذلك، تمكن من مساعدتهم في السير في الاتجاه الصحيح”

ولترامب سجل متباين فيما يتعلق بممارسة الضغط السياسي على نتنياهو. ففي تموز، قصفت إسرائيل مجمع وزارة الدفاع السورية في دمشق، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة حريصة على توسيع العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة. ووفر ترامب لنتنياهو غطاء سياسيا في غزة طيلة أشهر رغم المخاوف الإنسانية المتزايدة بين الحلفاء الأوروبيين والعرب.

لكن ترامب ظهر أكثر صرامة في الأسابيع القليلة الماضية، وأجبر نتنياهو على الاتصال بأمير قطر للاعتذار له بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة، في أيلول، كما أجبر نتنياهو على التوقيع على الخطة الأميركية المكونة من 20 بندا رغم مخاوفه.

وقال ألترمان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، إن ترامب يستطيع على الأرجح التأثير على نتنياهو، لأن “أكبر ورقة نفوذ في يد ترامب هي أنه يتمتع بشعبية سياسية في إسرائيل، وأكبر بكثير من نتنياهو، ويمكنه إما دعم مستقبل نتنياهو السياسي أو القضاء عليه”.

وسخر ترامب في الخطاب الذي ألقاه في الكنيست، أمس، من نتنياهو بطريقة تشير إلى أنه لا يشعر بالحاجة إلى معاملته باحترام خاص. وقال ضاحكا: “حسنا، كما ترى، يمكنك الآن أن تكون ألطف قليلا يا بيبي (نتنياهو) لأنك لم تعد في حالة حرب بعد الآن”.

انتخابات إسرائيل وحسابات نتنياهو

لكن انتخابات العام المقبل في إسرائيل ربما تغير حسابات نتنياهو السياسية بشكل يصعب التنبؤ به. فمن الناحية النظرية، يمكن أن يهدد أنصار السياسيين اليمينيين المتطرفين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، حكومة نتنياهو إذا ما زاد غضبهم من قرار وقف العمليات العسكرية في غزة.

ويحذر محللون من أن مماطلة “حماس” في نزع سلاحها ربما تؤدي إلى قيام عناصر يمينية متطرفة في الحكومة الإسرائيلية بالضغط على نتنياهو لاستئناف العمليات العسكرية في غزة، مما ينسف عمليا اتفاق ترامب.

ونقلت “رويترز” عن عضو الكنيست سيمحا روتمان، من حزب الصهيونية الدينية، قوله “نحن منزعجون من حقيقة أن حماس لا تزال تعلن حتى اليوم أنها ستبقى في السلطة في غزة”، وأضاف أنه “لسنا سعداء بأي اتفاق لا يحقق استسلام حماس بالكامل ولن نقبل بأي انتصار جزئي”.

وهناك مسألة أخرى قد تكون مزعجة، وهي التي وردت في بند بخطة غزة يعترف بإمكانية قيام دولة فلسطينية في المستقبل. ويقول محللون إن معظم الإسرائيليين سيجدون صعوبة في قبوله بعد هجوم 7 تشرين الأول.

وقال السفير الأميركي السابق في إسرائيل، دان شابيرو، إن رغبة الدول العربية في دفع حماس للوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق ترامب ربما تصبح محدودة إذا ما شن السياسيون الإسرائيليون في الحكومة والمعارضة حملة كبيرة ضد إقامة دولة فلسطينية.

وأضاف شابير أنه “كان من الضروري جدا إدراج هذا البند للحصول على دعم الدول العربية والقيام بدورها. وإذا كان الخطاب السياسي (الإسرائيلي) هو الرفض التام لقيام دولة فلسطينية إلى الأبد، أعتقد أن ذلك قد يؤثر على حماسة الأطراف العربية في القيام بالأدوار التي يجب أن تقوم بها”.

شارك المقال