بعد 28 عاماً… الأمير هاري يسير على خطى والدته

لبنان الكبير

في مشهد بدا وكأنه استُخرج من أرشيف الذكريات، عاد الأمير هاري إلى الأرض التي سارت عليها والدته الراحلة الأميرة ديانا عام 1997، مجدداً الرسالة الانسانية التي رفعتها قبل 28 عاماً: “العالم لا يمكن أن يغضّ الطرف عن الألغام”.

اختار الأمير هاري هذه المرة أن يكون في مدينة كويتو كوانافالي، واحدة من أكثر المناطق تضرراً من الألغام في جنوب شرق أنغولا، حيث سار بنفسه بين حقل ألغام تم تطهيره مؤخراً، مرتدياً سترة واقية وخوذة، تماماً كما فعلت والدته ذات يوم، وإن كان الفارق سنوات طويلة، إلا أن الرسالة واحدة: الالتزام بقضايا الحياة والسلام لا يسقط بالتقادم.

خطوة الأمير هاري لم تكن مجرّد زيارة رمزية أو لفتة عاطفية، بل جاءت ضمن حملة توعوية تنفذها مؤسسة “HALO Trust”، وهي المؤسسة نفسها التي رافقت ديانا في جولتها الشهيرة قبل وفاتها بفترة قصيرة. ومن خلال هذه الزيارة، جدّد هاري دعمه العلني لجهود إزالة الألغام من الأراضي الأنغولية التي ما زالت تُشكل خطراً يومياً على حياة المدنيين، خصوصاً الأطفال.

في حديثه مع الأهالي، بدا واضحاً التزام الأمير هاري بقضيته، وتحديداً حين حرص على التواصل مع الأطفال بلغتهم، مردداً كلمات تحذيرية بالبرتغالية: “توقف، ارجع، وأخبر الكبار”. كلمات بسيطة لكنها تحاول زرع الوعي في مناطق لا تزال تعيش تحت تهديد صامت منذ عقود.

تُقدّر التقارير أن أكثر من 60 ألف شخص فقدوا حياتهم أو تعرضوا لإصابات خطيرة في أنغولا بسبب الألغام منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 2002، ولا يزال بعض المناطق مليئاً بمخاطرالألغام حتى اليوم، ما يجعل زيارات مثل هذه أكثر من ضرورية، ليس للفت الانتباه وحسب، بل أيضاً لتعزيز جهود التمويل والدعم الدولي للمؤسسات العاملة على الأرض.

و شدد هاري في كلمة ألقاها خلال الزيارة، على أن “اللعب خارج المنزل أو الذهاب إلى المدرسة لا يجب أن يكونا أمرين محفوفين بالخطر”، مشيداً بالتزام الحكومة الأنغولية وشركاء المؤسسة. وأكد أن الهدف واضح: “أنغولا خالية من الألغام”.

من الصعب تجاهل البعد العاطفي في هذه الخطوة. فكل صورة التُقطت لهاري في زيارته، بدت كأنها مرآة لصورة والدته قبل 28 عاماً. لكن هاري، كما أكد مراراً، لا يبحث عن تقليد، بل عن “فخر يليق بإرث والدته”، وهو ما ينعكس في اختياراته المتكررة لدعم قضايا تمس المجتمعات المتألمة، وتلك التي نادراً ما تحظى بالأضواء.

حتى في حياته الشخصية، كُشف مؤخراً أن هاري ناقش إمكان تغيير لقبه العائلي ليحمل اسم “سبنسر”، وهي عائلة والدته. صحيح أن الفكرة لم تُترجم قانونياً، لكنها تشير بوضوح إلى المسار العاطفي الذي يسلكه منذ سنوات، بحيث يضع روح ديانا أمامه كمرشد إنساني، وليس كأم فقط.

زيارة الأمير هاري إلى أنغولا ليست الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، لكنها جاءت في لحظة دقيقة من حياته، تتقاطع فيها المسافة الجغرافية مع المسافة العاطفية، ليس بينه وبين ماضي والدته وحسب، بل أيضاً بينه وبين العائلة المالكة التي بدأت تظهر مؤشرات خجولة على تقارب جديد.

قد تكون الألغام في أنغولا تحت الأرض، لكنها تذكّر العالم بمدى عمق الجراح التي تتركها الحروب. وهاري، من خلال هذه الزيارة، يحاول أن يقول للعالم إن هناك إرثاً لا يُدفن، وإن من سارت يوماً لتزرع الأمل على أرض الموت، لا تزال تُلهم، بعد 28 عاماً، رسالة الحياة.

شارك المقال