كما في السنتين السابقتين تمر ذكرى الاستقلال من دون رأس للجمهورية، إلا أن هذه السنة تضاف إليها سيطرة جوية للجيش الاسرائيلي على سماء لبنان، تمطر الصواريخ منها على مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وقد امتدت أمس لتستهدف عين الرمانة احدى منطقتي “خط التماس” الشهير مع الشياح، التي لقيت نصيبها أيضاً من القصف الجوي، فيما تستكمل الوحدات البرية في الجيش الاسرائيلي اجتياح القرى الجنوبية واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى مشارف نهر الليطاني، وتسعى الى طرد “حزب الله” إلى شماله، وذلك بالتزامن مع اندلاع اشتباكات عنيفة داخل بلدة الخيام، سمع صداها في القرى المجاورة، مع رصد تقدم لدبابات الميركافا داخل البلدة.
وعلى الرغم من التصعيد في الميدان، تنتشر الأجواء الايجابية من جولة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين، الذي أفادت قناة الـ NBN المقربة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، بأنه عاود الاتصال بعين التينة ونقل إليها أجواء إيجابية، مشيرة الى أن الاتفاق قطع أشواطاً، وهو ينحصر في إطار تطبيق القرار 1701، وقد تم توسيع اللجنة الثلاثية لتضم أميركا وفرنسا ضمن الآليات التنفيذية.
ومن منطلق هذه الأجواء “الايجابية” كان مستشار المرشد الايراني علي لاريجاني يعطي حقنة رفع معنويات لـ “محور الممانعة”، معتبراً أن رسالة من المرشد إلى بري والرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي، ستغيّر المعادلة. وزعم أن الحزب لم يستخدم أسلحته المهمة في المعركة بعد، وعندما سيتسعملها سينقلب الوضع الميداني، ما أثار التساؤلات عن الوقت المناسب لاستعمال هذه “الأسلحة المهمة”، حتى داخل البيئة الحاضنة، فيما اسرائيل أصبحت تهدد صور والنبطية من جهة، ومرجعيون والبقاع من جهة أخرى.
الغارات تطال عين الرمانة
وكان الطيران الحربي استهدف مبنيين يقعان على أطراف ضاحية بيروت الجنوبية في المنطقة المعروفة باسم طريق صيدا القديمة، التي تفصل الشياح عن عين الرمانة، وهما خطا التماس القديم خلال الحرب اللبنانية. كما قصف مساء، مبنى يقع خلف خط بولفار كميل شمعون، الذي يفصل الضاحية الجنوبية عن المناطق ذات الغالبية المسيحية التي يقع فيها المبنى المستهدف.
وجاء استهداف المبنيين بعد إنذار إسرائيلي لسكانهما ومحيطهما بالإخلاء، ما أسفر عن حركة نزوح من منطقة عين الرمانة التي تعتبر من المناطق خارج البيئة الحاضنة، والتي تستضيف نازحين من الضاحية.
تجدد القصف على الضاحية
وجاءت الضربات بعد غارات مماثلة استهدفت أول واحدة منها منطقة الغبيري، وجاءت الثانية عنيفة في منطقة غاليري سمعان، وأخرى استهدفت حارة حريك منطقة بئر العبد مقابل محطة دياب.
وكان محيط سوق الجمال في الشياح هدفاً لغارة أيضاً، وصل دويّها إلى العاصمة بيروت.
وأفيد بأن الغارات التي استهدفت غاليري سمعان والشياح وبئر العبد تسببت في اندلاع حرائق ضخمة وانهيار مبانٍ ودمار واسع النطاق في المحال والطرق. وجاء ذلك بعد تحذير عاجل أطلقه المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي، أفيخاي أدرعي، لسكان الحدث وحارة حريك والغبيري.
محاولة فصل النبطية عن مرجعيون
وفي الجنوب، نفّذت القوات الاسرائيلية أوسع اختراق بري داخل العمق اللبناني منذ بدء الحرب، بوصولها إلى مشارف نهر الليطاني من جهة ديرميماس، ودخلت إلى أطراف البلدة، في محاولة لفصل النبطية عن مرجعيون، والتمهيد لهجوم على بلدة الطيبة من الجهتين الغربية والشمالية، وتحييد تلة الطيبة التي تشرف شرقاً على سهل الخيام الذي يستعد الجيش الاسرائيلي لتمديد عمليته البرية إليه، في محاولة للسيطرة على مدينة الخيام.
وأفادت وسائل الاعلام بأن الجيش الاسرائيلي نصب حاجزاً عند مفرق ديرميماس في جنوب لبنان ليفصل بين مرجعيون والنبطية. وقطع الطريق عند المدخل الغربي للبلدة قرب محطة وقود، بالسواتر الترابية، حيث تتمركز آليات تابعة له. وأوردت تقارير إعلامية أن القوات الاسرائيلية منعت دوريات “اليونيفيل” والجيش اللبناني من المرور باتجاه مرجعيون.
وأطلق “حزب الله” صواريخه باتجاه القوات الاسرائيلية في تلك المنطقة، بحسب ما قال في ثلاثة بيانات، أكد فيها أنه استهدف التجمعات والآليات الاسرائيلية على تخوم ديرميماس بالصواريخ. وتحدثت وسائل إعلام عن “رشقات صواريخ متتالية استهدفت تجمعات إسرائيلية في الخيام ومحيط تل النحاس وصاروخ موجه استهدف تحركات آلية في كروم الزيتون قرب محطة مرقص في أطراف ديرميماس”.
…والاشراف على الليطاني
وتسعى القوات الاسرائيلية عبر هذا التقدم إلى الاشراف على مجرى نهر الليطاني، الذي يُعتقد أن جزءاً من منصات الإسناد الصاروخي لـ”حزب الله” موجودة فيه، وهي المنصات التي تمنع هذه القوات من التقدم في بلدة الخيام. كما تسعى إلى الالتفاف على بلدة الطيبة الاستراتيجية التي تضم مرتفعات مشرفة على نهر الليطاني من الغرب، ومرتفعات مشرفة على سهل الخيام من جهة أخرى. ولم تدخل إليها القوات من جهة الشرق بعد، على الرغم من محاولات التوغل فيها، والغارات الجوية التي استهدفتها على مدى أشهر.
وفي حال التوغل من جهة ديرميماس، فإن القوات الاسرائيلية ستفتح مجالاً للتوغل في الطيبة من الجهتين الغربية والشمالية، إضافة إلى محور مركبا – العديسة من الجهة الشرقية، وذلك في محاولة لتحقيق اختراق والتفاف عليها.
هوكشتاين عاود الاتصال ببري
وعلى الرغم من التقدم البري، حاول هوكشتاين بث أجواء إيجابية خلال جولته في تل أبيب، وكشفت قناة الـ NBN المقربة من الرئيس بري أنه أعاد التواصل مع عين التينة، ونقل أجواء إيجابية الى بري، لافتة إلى أن الاتفاق ينحصر في إطار تطبيق القرار 1701، ولا خروج عن الأطر القانونية، وأن الآليات التنفيذية وسعت أطراف اللجنة الثلاثية لضم أميركا وفرنسا.
ويتطابق هذا الكلام مع ما يقوله الاعلام الاسرائيلي، بحيث نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤولين اسرائيليين قولهم إن هناك تقدماً كبيراً في مباحثات هوكشتاين في اسرائيل، وهي شبه مكتملة، متوقعة تنفيذ الاتفاق مع لبنان خلال أيام عند معالجة تفاصيل إضافية.
لاريجاني وجرعة معنويات
إلى ذلك، توقع مستشار لاريجاني تغير المعادلة في الشرق الأوسط بعد رسالة المرشد علي خامنئي الأخيرة إلى لبنان وسوريا، وشدد على أن “حزب الله لم يستخدم أسلحته المهمة حتى الآن، وإذا فعل ذلك فإن المعادلة ستتغير إلى حد كبير”.
وأوضح في مقابلة أجرتها وكالة “تسنيم” التابعة لـ”الحرس الثوري”، أن بلاده “واثقة تماماً من انتصار حزب الله على إسرائيل”، مشيراً الى أن “الأحداث الأخيرة واسعة النطاق لدرجة أنها يمكن أن تؤثر على أمن المنطقة بأكملها، أي أن ما يفعله اليوم حزب الله والمقاومة في لبنان سيترك تأثيراً على أمن المنطقة برمتها”.
ولفت لاريجاني إلى أن رسالة خامنئي التي سلّمها الأسبوع الماضي إلى الرئيس الأسد والرئيس بري “بالتأكيد ستترك تأثيراً”، قائلاً: “بعد الرسالة، نأمل أن نرى نتيجة ذلك في سلوك قوى المقاومة، وإلى حد كبير يمكننا رؤية ذلك، لأن المعادلة قيد التغيير”.


