على مدى عقود طويلة ظل نظام الأسد، الأب والإبن، يخزن الأسلحة ويرفع شعارات الصمود والتصدي ضد إسرائيل، التي ضربته مراراً فكان يعتصم بـ”الصبر الاستراتيجي” محتفظاً بـ”حق الرد في الزمان والمكان المناسبين”، وهو حق ضبّه بشار الأسد على عجل في شنطته التي حملها معه الى منفاه، بعدما دقت المعارضة أبواب دمشق. هنا فقط خشيت إسرائيل أن تقع مخازن الأسلحة، بعدما هرب حارس حدودها، بأيدي “أناس غلط” يمكن أن يستعملوها ضدها مستقبلاً، فسارعت الى إطلاق أكبر حملة جوية في تاريخ سلاحها الجوي، لتدمير كل القدرات العسكرية السورية.
ويأتي ذلك في حين تحاول المعارضة اجراء انتقال سلس للسلطة في سوريا، حيث تم تكليف محمد البشير برئاسة حكومة موقتة حتى آذار المقبل، وستركز على نقل الصلاحيات التنفيذية وضبط الأمن والنظر في حالة الجيش الحالي والبحث في أوضاعه، وقد تم سحب العناصر المقاتلة من المدن ونشر وحدات أمن تابعة لـ “هيئة تحرير الشام”، وستعمل الحكومة على تقديم ما أمكنها من خدمات وضبط الوضع الاجتماعي إلى حين انتقال السلطة. واعتبر مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن أن المعارضة أرسلت حتى الآن رسائل إيجابية إلى الشعب السوري.
اسرائيل تدمر الأسلحة الاستراتيجية السورية
من الواضح أن اسرائيل تتخوف من وصول الأسلحة التي كدّسها نظام الأسد إلى أيدي المعارضة السورية، وأعلن جيشها الثلاثاء أنّه شنّ نحو 480 ضربة خلال 48 ساعة على أهداف استراتيجية في سوريا.
وقال الجيش في بيان: “خلال 48 ساعة هاجم جيش الدفاع أغلبية مخزونات الأسلحة الاستراتيجية في سوريا، خشية سقوطها بيد عناصر إرهابية”، مضيفاً أنّ الأهداف شملت مواقع ترسو فيها “15 قطعة بحرية تابعة للبحرية السورية (…) وبطاريات صواريخ أرض جو (…) ومطارات سلاح الجو السوري والعشرات من أهداف مواقع الانتاج” في مناطق مختلفة.
وكشف مسؤول عسكري لاذاعة الجيش الإسرائيلي أنه بعد اتخاذ قرار استراتيجي بتدمير القدرات العسكرية والاستراتيجية لسوريا، ينفذ الجيش هناك “واحدة من أكبر العمليات الهجومية في تاريخ سلاح الجو”، مستهدفاً الطائرات الحربية، وأنظمة الدفاعات الجوية وأنظمة الصواريخ والآليات المدرعة، ومواقع إنتاج أسلحة ومخازن ذخيرة، إضافة إلى صواريخ أرض – أرض.
وهاجم الطيران الحربي الاسرائيلي قواعد سلاح الجو السوري، بما في ذلك أسراب كاملة من طائرات “الميغ” و”السوخوي” التي تم تدميرها، ومحطات دفاعية وأبحاث علمية، والعشرات من البطاريات الكبيرة والمتقدمة المضادة للطائرات في جميع أنحاء سوريا، إضافة إلى المخزونات الاستراتيجية للأسلحة، (مواقع تخزين صواريخ متقدمة، وأنظمة دفاع جوي، ومرافق إنتاج أسلحة، ومواقع أسلحة كيميائية)، كما دمرت طائرات ومروحيات ودبابات تابعة لجيش نظام الأسد.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، شملت الضربات على الأقل ثلاث قواعد جوية رئيسية للجيش السوري تضم عشرات المروحيات والطائرات النفاثة، بينها قاعدة القامشلي الجوية في شمال شرقي سوريا، وقاعدة شنشار في ريف حمص، ومطار عقربا جنوب غربي العاصمة دمشق، و”مركز البحث العلمي” في دمشق، المرتبط ببرنامج الأسد للأسلحة الكيميائية.
البحرية السورية تعرضت أيضاً للهجمات
بالاضافة إلى الهجمات من الجو، نفذت البحرية الاسرائيلية عملية واسعة النطاق لتدمير البحرية التابعة للجيش السوري، فهاجمت السفن الصاروخية البحرية ودمرت العديد من السفن التابعة للأسطول العسكري والتي تم وضع عشرات صواريخ بحر – بحر، عليها، في ميناءي البيضاء واللاذقية.
وأكدت إذاعة الجيش الاسرائيلي أن سلاح البحرية نفّذ “عملية واسعة النطاق لتدمير الأسطول البحري التابع للجيش السوري”، مشيرة الى أن “الهجوم نُفّذ باستخدام البوارج الصاروخية البحرية”.
اسرائيل تعمل على منطقة عازلة
بالتزامن مع الهجمات على الأسلحة الاستراتيجية، قال وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس إنه ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أوعزا إلى الجيش بإقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا بعد سقوط الرئيس بشار الأسد. وأضاف كاتس: “مع رئيس الوزراء، أصدرنا تعليمات للجيش الاسرائيلي بإقامة منطقة خالية تماماً من السلاح والتهديدات الإرهابية في جنوب سوريا من دون وجود إسرائيلي دائم”. وحسب الوزير، فإن الهدف من إنشاء المنطقة هو “منع الجماعات الارهابية من تنظيم نفسها في سوريا”.
وأشار كاتس الى أن “جيش الدفاع الاسرائيلي تحرك في الأيام القليلة الماضية لمهاجمة وتدمير القدرات الاستراتيجية التي تهدد دولة إسرائيل”.
وحذّر قادة سوريا الجدد من أن “كل من يتبع خطى الأسد سوف ينتهي به الأمر مثل الأسد. لن نسمح لكيان إرهابي متطرف بالعمل ضد إسرائيل من خارج حدودها… سنفعل أي شيء لإزالة التهديد”.
نتنياهو يهدد قادة سوريا الجدد
في السياق نفسه، حذّر نتنياهو القادة الجدد لسوريا من السير على خطى الرئيس الأسد، ومن السماح لإيران “بإعادة ترسيخ” وجودها في البلاد.
وقال نتنياهو، في بيان عبر الفيديو، من تل أبيب: “إذا سمح هذا النظام لإيران بإعادة ترسيخ وجودها في سوريا، أو سمح بنقل أسلحة إيرانية أو أي أسلحة أخرى إلى حزب الله، أو إذا هاجمَنا، فسوف نرد بقوة، وسندفّعه ثمناً باهظاً”، مضيفاً: “ما حلّ بالنظام السابق سيحل بهذا النظام”.
المعارضة تشكل حكومة
الى ذلك، تحاول فصائل المعارضة بناء نظام جديد في سوريا، وقد أعلن محمد البشير، في بيان تلفزيوني أنه تم تكليفه رسمياً بتولي رئاسة حكومة انتقالية في سوريا حتى أول آذار 2025.
وعقد في دمشق أمس، الاجتماع الأول للحكومة الانتقالية، برئاسة القائد العام لإدارة العمليات أحمد الشرع، وضمّ رئيس الحكومة السابق محمد غازي الجلالي، ورئيس الحكومة الموقتة، ووزراء من الحكومة السابقة، مع نظرائهم من حكومة الإنقاذ.
ونقل تلفزيون سوريا، التابع للمعارضة، عن البشير قوله: “إن الاجتماع ركّز على نقل الصلاحيات التنفيذية”.
سحب المقاتلين ونشر الأمن
وأفادت مصادر في الإدارة السياسية السورية لوسائل الاعلام، بأنه سيتم حل الأجهزة الأمنية، وإلغاء قوانين الإرهاب، مشيرة إلى أن الحكومة الانتقالية ستجري النظر في حالة الجيش الحالي، وستبحث في إعادة ترتيب أوضاعه.
ونقلت وسائل الاعلام عن هذه المصادر التأكيد أن ضبط الأمن وتقديم الخدمات والانتقال السلس هي أولويات في حكومة تصريف الأعمال.
وكشف مصدران مقربان من مقاتلي المعارضة السورية لوكالة “رويترز” أن قيادة قوات المعارضة أمرت مقاتليها بالانسحاب من المدن، ونشر وحدات تابعة لـ”هيئة تحرير الشام” من الشرطة وقوات الأمن الداخلي.
بيدرسن: المعارضة أرسلت رسائل ايجابية
تزامناً مع هذه الخطوات، اعتبر مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن أن “هيئة تحرير الشام” التي قادت الهجوم الذي أدى إلى سقوط بشار الأسد “أرسلت حتى الآن رسائل إيجابية” إلى الشعب السوري.
وقال بيدرسن، في مؤتمر صحافي: “الحقيقة أنه حتى الآن، أرسلت هيئة تحرير الشام والفصائل المسلحة الأخرى رسائل إيجابية إلى الشعب السوري. لقد وجّهت رسائل تدعو إلى الوحدة”.


