في زيارة هي الأولى لوزير خارجية سعودي إلى بيروت منذ 15 عاماً، حمل الأمير فيصل بن فرحان رسالة واضحة: سيروا بالإصلاحات الضرورية لتستعيدوا ثقة العالم، مع شحنة كبيرة من التفاؤل بمستقبل لبنان لتأكيد رهان المملكة العربية السعودية على “العهد الجديد”، الذي يعرف الجميع أنها عرابته الحريصة على نجاحه في “التغيير” الذي يعوّل عليه لحماية لبنان من مخاطر كثيرة في فترة “مخاض إقليمي” لا تزال خرائطه المحتملة غير واضحة.
زيارة بن فرحان جاءت في وقت دقيق، فهو الآتي من منتدى “دافوس” الذي يجمع أبرز سياسيي العالم، يدرك جيداً أي فوضى يمكن أن يحدثها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب على المسرح العالمي، وهو الذي فور تسلمه البيت الأبيض أطلق سيلاً من التهديدات في كل الاتجاهات، ما من شأنه زعزعة كل الثوابت في المعادلات التي تقوم عليها توازنات – توترات دولية.
كما أنه يأتي قبل أيام قليلة من انتهاء مهلة الستين يوماً للانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، وفقاً لاتفاق 1701 الجديد، فيما تطالب تل أبيب بتمديد بقائها جنوباً، ويعلو صوت “حزب الله” متوعداً في حال عدم الالتزام بالمهلة، ليبقى صدى الحرب حاضراً في يوميات اللبنانيين.
سلام: فرصة استثنائية
وكان الوزير بن فرحان ختم زيارته أمس بلقاء الرئيس المكلف نواف سلام في دارته في قريطم، وهنأه بتكليفه، مؤكداً وقوف المملكة إلى جانب لبنان. كما تمنى على اللبنانيين تغليب المصلحة العليا على المصالح الضيقة والسير في الإصلاحات الضرورية.
ورحب سلام بالوزير السعودي، مشدداً على دلالة هذه الزيارة بعد خمس عشرة سنة على آخر زيارة لوزير خارجية سعودي إلى لبنان. وأكد أن هناك فرصة استثنائية للبنان يجب عدم تفويتها، وأنه يعمل بالتعاون الكامل مع فخامة الرئيس على ذلك.
كما أكد عزمه على السير في الإصلاحات السياسية والقضائية والإدارية والمالية المطلوبة، معرباً عن التزامه بإعادة لبنان إلى محيطه العربي الطبيعي، واستعادة دوره إلى جانب أشقائه العرب.
بن فرحان في بعبدا
في بعبدا، أكد الوزير بن فرحان حرص القيادة السعودية على أن يعود لبنان كما كان نبراساً في المنطقة ونموذجاً للتعايش والازدهار، منوهاً بقيادة الرئيس جوزاف عون وبخطاب القسم الذي وضع البوصلة في الطريق الصحيح. وأعلن أن المملكة ستكون إلى جانب لبنان وستتابع مسيرته الجديدة خطوة بخطوة، وستعمل مع شركائها في هذا الاتجاه.
عون: خطاب القسم كُتب لينفذ
في المقابل، أشار الرئيس عون إلى أن خطاب القسم كُتب لينفذ، لا سيما وأنه عكس إرادة الشعب اللبناني وتحدث بلغته، آملاً أن يعود الإخوة السعوديون إلى لبنان من جديد. كما حدد أولويات المرحلة المقبلة بعد تشكيل الحكومة بإعادة الإعمار، ومعالجة الوضع الاقتصادي، ودعم الجيش والمؤسسات الأمنية.
بن فرحان: الأمير بن سلمان منفتح على الاقتراحات
وأكد الوزير السعودي في هذا السياق أهمية الإصلاحات التي تعتزم الحكومة الجديدة القيام بها بعد تشكيلها، لافتاً إلى أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان منفتح على الاقتراحات التي تنقل لبنان إلى مستقبل زاهر. وأشار إلى أن القيادة السعودية تتطلع إلى لقاء قريب مع الرئيس عون لوضع أسس التعاون بين البلدين، معتبراً أنه “على الرغم من التحديات المشتركة التي تواجهنا في المنطقة، إلا أن المملكة تنظر بالتفاؤل الى مستقبل لبنان، في ظل النهج الإصلاحي الذي جاء في خطاب فخامة الرئيس بعد تنصيبه، حيث أن تطبيق هذه الاصلاحات من شأنه تعزيز ثقة شركاء لبنان به وفسح المجال لاستعادة مكانته الطبيعية في محيطه العربي والدولي”.
وقال: “لقد بحثت مع فخامته مستجدات الأوضاع في لبنان والمنطقة، وأكدت له باستمرار وقوف المملكة إلى جانب لبنان وشعبه الشقيق. كما أعربت له عن إيماننا بأهمية الإصلاحات التي تحدث عنها فخامته في سبيل تجاوز لبنان لأزماته. وثقتنا كبيرة بقدرة فخامة الرئيس ودولة رئيس الوزراء المكلف على الشروع في الاصلاحات اللازمة لتعزيز أمن لبنان واستقراره ووحدته”.
وتابع: “كما تطرقت خلال حديثي مع فخامته إلى أهمية الالتزام باتفاقية وقف إطلاق النار، بما يشمل الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الاسرائيلية من الأراضي اللبنانية. وأكدت أهمية تطبيق قرار مجلس الأمن 1701 والقرارات الدولية ذات الصلة”.
وختم بالقول: “على الرغم من التحديات المشتركة التي تواجهنا في المنطقة، إلا أن المملكة تنظر بالتفاؤل لمستقبل لبنان، في ظل النهج الإصلاحي الذي جاء في خطاب فخامة الرئيس بعد تنصيبه، حيث أن تطبيق هذه الإصلاحات من شأنه تعزيز ثقة شركاء لبنان به وفسح المجال لاستعادة مكانته الطبيعية في محيطه العربي والدولي. ونحن متفائلون بتكاتف القيادة اللبنانية لاغتنام الفرصة والعمل بجدية لتعزيز أمن لبنان وسيادته والحفاظ على مؤسساته ومكتسباته”.
ميقاتي تمنى أن تكون الزيارة فاتحة لعودة السعوديين
وفيما ناقش الوزير بن فرحان المستجدات في عين التينة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، تمنى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال لقاء بن فرحان في السراي الحكومي “أن تكون زيارة معالي الوزير فاتحة لعودة جميع الإخوة السعوديين إلى لبنان”.
وقال: “مع بداية عهد فخامة الرئيس جوزاف عون وتكليف الرئيس المكلف نواف سلام بتشكيل الحكومة الجديدة، فإننا نتطلع بأمل إلى احتضان المملكة للبنان ودعمه في كل المجالات في مرحلة النهوض والتعافي”.
وأضاف: “إن العلاقة الأخوية المتينة التي تجمع بين لبنان والمملكة العربية السعودية الشقيقة، زادتها السنوات عمقاً ورسوخاً وكانت فيها المملكة إلى جانب لبنان دائماً، السند والعضد في الملمات، وصمام الأمان الذي حفظ وحدة اللبنانيين، إلى أي طائفة أو مذهب أو فريق سياسي انتموا”.
قطر مرتاحة لانتخاب عون
وفي الاهتمام العربي أيضاً، أعرب سفير دولة قطر في لبنان سعود بن عبد الرحمن آل ثاني عن ارتياح دولته لانتخاب العماد جوزاف عون رئيساَ للجمهورية اللبنانية “الذي تربطه بقطر علاقات صداقة حميمة مذ كان قائداً للجيش، كذلك تسمية القاضي نواف سلام رئيساً للحكومة”، متمنياً تشكيل الحكومة الجديدة “لتكون أسرع حكومة لبنانية يتم تشكيلها، لتنصرف إلى إنجاز ما ينتظرها من مهمات، وهو ما يولد الاستقرار ويضمن تدفق المساعدات لإعادة إعمار لبنان”.
بري التقى جيفرز
وعشية انتهاء مهلة اتفاق وقف النار، تستمر الخروق وسط اتجاه إسرائيلي الى تمديد فترة البقاء في الجنوب، كما نقلت “القناة ١٣” الاسرائيلية.
في هذا السياق، استقبل الرئيس بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة رئيس لجنة المراقبة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز بحضور السفيرة الأميركية لدى لبنان ليزا جونسون والمستشار الاعلامي علي حمدان، وجرى عرض للأوضاع والمستجدات الميدانية حول الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان وخروق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701.


