استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب صديقه، رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمجموعة من “الهدايا” السياسية الكبيرة، التي قد تمنحه دفعة للمضي قدماً في رهانه على تشكيل شرق أوسط جديد وفق مصالحه. فقد طمأنه إلى عزمه على ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران لحصارها وخنقها، كما أكد التزامه بمخطط تهجير الغزيين والقضاء على “حماس”، في خطوة تهدف إلى دفن “حل الدولتين” نهائياً.
ووقع ترامب مذكرة رئاسية تعيد فرض سياسة واشنطن الصارمة تجاه إيران، والتي طُبِّقت خلال ولايته الأولى، وشدد على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، معتبراً أنها باتت قريبة من ذلك. كما حذّر طهران من القضاء عليها إذا ردّت عبر محاولة اغتياله، وهو اتهام سبق أن وجهه اليها خلال حملته الانتخابية.
ورأى ترامب أن الفلسطينيين ليس لديهم خيار سوى مغادرة غزة، مشيراً إلى أنه يريد أن يرى الأردن ومصر يستقبلان فلسطينيين من القطاع. ويأتي كلامه بعد تصريحات مبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، الذي وصف الاعتقاد بإمكان أن يعود قطاع غزة صالحاً للسكن في غضون خمس سنوات بعد الحرب المدمّرة بين إسرائيل وحماس بأنه “سخيف”.
وكان ترامب أعلن في وقت سابق أنه سيناقش مع نتنياهو مسألة ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات، انطلاقاً من قناعته بأن إسرائيل دولة صغيرة المساحة. كما أعلن عن صفقة عسكرية بقيمة مليار دولار لصالح إسرائيل، إضافةً إلى إصدار أمر تنفيذي جديد بحظر تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.
لبنانياً، وعلى الرغم من الايجابية التي يُبديها الرئيس المكلّف نواف سلام، فإن تشكيل الحكومة لا يزال متعثراً حتى اللحظة، فيما تمارس القوى السياسية لعبة ضغط الساعات الأخيرة من أجل تحقيق مكاسب أكبر، بينما ينتظر لبنان التشكيل لبدء تدفق المساعدات الخارجية التي ستساهم في إنعاش الاقتصاد وإعادة الإعمار. ويبدو هذا الأمر جلياً في تصريحات المسؤولين الدوليين، ومن بينهم رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي يزور لبنان، وأكد استعداد بلاده لمساعدة لبنان شرط تشكيل الحكومة.
العقدة المسيحية تؤخر التشكيل
بعدما تجاوز الرئيس المكلّف “عقدة الثنائي الشيعي”، يصطدم اليوم بعقدة القوى المسيحية، وتحديداً “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، التي تطالب بوزارة الخارجية وتدعو إلى “وحدة المعايير”، فيما تؤكد أجواء سلام أن المباحثات مستمرة مع جميع الأطراف للوصول إلى حل.
وقال عضو كتلة “الجمهورية القوية” النائب غياث يزبك: “القوات لن تشارك في الحكومة المرتقبة وستحجب الثقة عنها إذا لم تتلقَّ التوضيحات التي تحتاجها”، مشيراً إلى أن الموقف النهائي لم يُحسم بعد، بانتظار ما سيقدمه الرئيس المكلّف. واتهم سلام بإقصاء “القوات”، متسائلاً: “على أي أساس يُقصينا الرئيس سلام فيما يلبّي مطالب الآخرين؟ وكيف ستكون علاقة الحكومة مع مجلس النواب وسط سيل الاعتراضات على التشكيلة الحالية؟”.
أما رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل فدعا الرئيس المكلّف إلى اعتماد العدل في تشكيل الحكومة، مشدداً على وجوب أن تُراعى التوازنات النيابية لضمان دعم مجلس النواب وثقته. وأكد أنه لا يسعى الى الحصول على الثلث المعطّل، قائلاً: “الحزبي لا يعني أنه ميليشيوي بالضرورة، ويجب أن تستند تسمية الوزراء إلى تمثيل سياسي مدعوم من كتل نيابية”.
كما دعا حزب “الطاشناق” الرئيس سلام إلى مقاربة التأليف بمعايير موحّدة تضمن تأييد القوى النيابية والسياسية والشعبية لمسيرة عمل حكومته العتيدة.
تباين داخل القوى التغييرية
يبدو أن التباين حول سلام أصاب البيت التغييري. فقد اعتبر النائب ميشال الدويهي أن “لا ثقة بالمنهجية الحالية ولا ثقة بالمعايير الموضوعة، والأهم من ذلك كله، لا ثقة بحكومة يشارك فيها الثنائي الشيعي بوزارة المالية، وهو الفريق الذي عمّق الانهيار وساهم في الفساد، فيما اللبنانيون ما زالوا يدفعون ثمن الأزمات الاقتصادية والكوارث والحروب التي خلفها”.
أما النائب مارك ضو، فعدّد خمسة إنجازات متوقعة للحكومة المرتقبة، معتبراً أن الوقت حان للاعتراف بحجم الانتصارات، وعدم السماح لـ”هواجس من مرحلة سابقة” بإفساد الفرحة بالتقدّم المحقق. وقال: “أنا أؤيّد الرئيس نواف سلام، ومعه لإنجاز هذه الحكومة بسرعة، لما فيه مصلحة لبنان وخطوات كثيرة نحو الدولة التي نطمح اليها”.
انتشار الجيش وسط خروق إسرائيلية
جنوباً، أعلنت قيادة الجيش – مديرية التوجيه في بيان، أن وحدات عسكرية انتشرت في بلدة الطيبة – مرجعيون وفي مناطق حدودية أخرى جنوب الليطاني، بعد انسحاب العدو الاسرائيلي، بالتنسيق مع اللجنة الخماسية للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار (Mechanism).
وجددت قيادة الجيش تأكيدها أهمية التزام المواطنين بالتوجيهات الرسمية والتقيد بإرشادات الوحدات العسكرية المنتشرة، حفاظاً على سلامتهم. وأفيد بأن استخبارات الجيش اللبناني تسلّمت شاحنة محملة بالأسلحة والذخائر من أحد المستودعات التي سبق أن استهدفها الجيش الاسرائيلي في منطقة الوردانية – إقليم الخروب.
في المقابل، أقدم الجيش الاسرائيلي على حرق عدد من المنازل بين رُب ثلاثين والطيبة، كما فجّر معملاً لتكرير مياه الصرف الصحي في سهل مرجعيون باتجاه كفركلا. وألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية على حفارة بالقرب من حسينية عيتا الشعب.
لبنان يتقدّم بشكوى لمجلس الأمن
وقدّمت وزارة الخارجية والمغتربين، عبر بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، شكوى إلى مجلس الأمن الدولي رداً على الانتهاكات الاسرائيلية للقرار 1701 وتجاهلها التام لالتزاماتها الأمنية.
ودعا لبنان مجلس الأمن، لا سيما الدول الراعية لترتيبات وقف الأعمال العدائية، إلى اتخاذ موقف حازم تجاه هذه الخروق المتكررة، والعمل على إلزام إسرائيل باحترام التزاماتها. كما طالب بتعزيز الدعم للجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” لضمان حماية السيادة اللبنانية وسلامة المواطنين.
قطر تؤكد دعمها للبنان شرط تشكيل الحكومة
على صعيد الدعم الدولي، أعلن رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني أن الدوحة ستدعم المؤسسات اللبنانية وستعمل على مشاريع مشتركة بعد تشكيل الحكومة.
وشدد خلال زيارته إلى بيروت على أن قطر تتطلع إلى استكمال تشكيل الحكومة في القريب العاجل، متمنياً “أن يكون انتخاب رئيس للجمهورية خطوة لإرساء الأمن والاستقرار في لبنان”.
وأكد أن قطر ملتزمة باستمرار دعم الجيش اللبناني، مشيراً إلى أن بلاده ستكون كما كانت من قبل حاضرة على مستوى الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار، وأنه سيتم بحث كل الملفات بمجرد تشكيل الحكومة.


