وصل تشكيل الحكومة إلى مرحلته النهائية قبل التوقيع، لكن الأمور تعقدت مجدداً تحت عنوان “الوزير الشيعي الخامس”. إلا أن القضية تبدو أعمق من ذلك، إذ تزامنت مع رسالة أميركية حازمة إلى لبنان تدعو إلى إقصاء “حزب الله” من الحكومة، على اعتبار أنه هُزم، ويجب أن تعكس الحكومة الجديدة هذه الهزيمة، وإلا فإن لبنان سيواجه عزلة أعمق ودماراً اقتصادياً.
وفيما لا تزال الحدود الجنوبية تحت وطأة التصعيد الاسرائيلي، الذي شمل سلسلة غارات على مناطق في الجنوب والبقاع، في استمرار لخرق اتفاق وقف إطلاق النار، شهدت الحدود الشرقية اشتباكات بين العشائر والقوات السورية. ووفقاً لـ “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، نفذت إدارة العمليات العسكرية السورية عملية تمشيط في ريف حمص الغربي، شملت قرى حاويك، بلوزة، الفاضلية، أكوم والجرود، وصولاً إلى الحدود اللبنانية، بهدف طرد المسلحين والمهربين والمطلوبين من تجار المخدرات، وشخصيات مقربة من “حزب الله” وفلول النظام السوري السابق.
الحكومة: “مشي الحال وما مشي الحال”
عُقد ظهر أمس اجتماع ثلاثي في قصر بعبدا ضمّ رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام، بحضور الأمين العام لمجلس الوزراء محمود مكية، وسط توقعات بولادة الحكومة. ولكن، بعد اجتماع مغلق استمر لأكثر من ساعة ونصف الساعة، غادر بري مقر الرئاسة من الباب الخلفي، تبعه سلام من دون الادلاء بأي تصريح، مكتفياً بالقول: “مشي الحال وما مشي الحال”.
وأفادت المعلومات بأن سلام طرح اسم لميا مبيض لوزارة التنمية الادارية، إلا أن بري رفضه، واقترح بدوره اسم القاضي عبد الناصر رضا، لكن سلام رفضه أيضاً. وتردد أن بري، لدى تمسك سلام بمبيض كوزير شيعي خامس، ردّ قائلًا: “اعملها حكومة مبيض”!
واشنطن تصعّد: لا مكان للحزب في الحكومة
إلا أن الأمور تبدو أبعد من خلاف على الأسماء. فقد نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول رفيع في الادارة الأميركية قوله: “من المهم بالنسبة إلينا أن نضع الأسس لما نعتقد أن لبنان الجديد يجب أن يكون عليه في المستقبل”. وشدد على أن واشنطن لا تختار الأسماء، لكنها تريد ضمان عدم مشاركة “حزب الله” في الحكومة.
وأضاف المسؤول الأميركي: “لقد كانت هناك حرب، وهُزم حزب الله، ويجب أن يبقى مهزوماً. لا نريد شخصاً فاسداً في الحكومة. إنه يوم جديد للبنان. حزب الله هُزم، ويجب أن تعكس الحكومة الجديدة هذه الحقيقة”.
ومن المقرر أن ينقل مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة حازمة إلى القادة اللبنانيين خلال زيارته، مفادها أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع النفوذ غير المقيّد لـ”حزب الله” وحلفائه في تشكيل الحكومة.
ووفقاً لمسؤول في الادارة الأميركية وديبلوماسي غربي ومصادر حكومية إقليمية، فإن الرسالة الأميركية تؤكد أن لبنان سيواجه عزلة أعمق ودماراً اقتصادياً ما لم يشكل حكومة ملتزمة بالاصلاحات، ومكافحة الفساد، والحد من قبضة الجماعة الشيعية المدعومة من إيران.
التوترات مستمرة جنوباً وغارات ليلية
في الجنوب، واصل الجيش الاسرائيلي عملياته العسكرية في بلدة كفركلا، حيث قام بتفجير منازل في المنطقة الحدودية. وعلى الرغم من الانتظار الطويل، لا يزال أهالي البلدة ممنوعين من الدخول إليها.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي لسكان الجنوب: “تم تمديد فترة تطبيق الاتفاق ولا يزال جيش الدفاع منتشراً في الميدان، ولذلك يمنع الانتقال جنوبًا. جيش الدفاع لا ينوي المساس بكم، لكن من أجل سلامتكم، يحظر عليكم العودة إلى منازلكم في المناطق المعنية حتى إشعار آخر. كل من يتحرك جنوبًا يعرض نفسه للخطر”.
ومساء، شنّ الطيران الاسرائيلي غارة بين عزة ورومين في قضاء النبطية. كما شنّ غارات على البقاع استهدفت منطقة النبي شيت وجنتا ومرتفعات الخربية.
وأقرّت إذاعة الجيش الاسرائيلي بأن “إسرائيل تهاجم جنوب وعمق لبنان بعد خروق حزب الله ومحاولات تهريب أسلحة من الحدود السورية”.
اشتباكات لبنانية – سورية في البقاع
أما على الحدود الشرقية، فقد شهدت القرى السورية التي يقطنها لبنانيون في ريف القصير اشتباكات عنيفة بمختلف أنواع الأسلحة، بين “إدارة العمليات” والأمن العام السوري من جهة، وعشائر لبنانية من آل جعفر وزعيتر ومدلج من جهة أخرى.
وأسفرت المعارك عن سيطرة القوات السورية على معظم القرى التي يسكنها اللبنانيون، والتي يبلغ عددها 17 قرية ومزرعة، من بينها حاويك، السماقيات، وادي حنا، بلوزة، زيتا، سقرجا، غوغران وبرج الحمام.
وأفادت وسائل إعلام سورية بأن إدارة العمليات العسكرية نفذت عملية تمشيط في قرى ريف حمص الغربي، شملت حاويك، بلوزة، الفاضلية، أكوم، والجرود، بهدف طرد المسلحين والمهربين والمطلوبين من تجار المخدرات وشخصيات مقربة من “حزب الله”.
وأرسلت السلطات السورية، الخميس، ثلاث مجموعات من القوات الأمنية إلى المنطقة لتنفيذ عمليات اعتقال، ما أدى إلى اشتباك مباشر مع المسلحين المتحصنين داخل القرى الحدودية.
ونقلت وسائل الاعلام عن مصادر بقاعية قولها إن القصف المدفعي السوري وصل إلى بلدة القصر اللبنانية، ما أسفر عن سقوط قتيل وجريح لبنانيين.
كما شهدت المعارك عمليات خطف وخطف مضاد، بحيث تمكن الأمن السوري من اعتقال المختار غسان نون وأحمد زعيتر، فيما نشرت العشائر صور أسيرين من الأمن السوري على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعلنت السيطرة على آلية عسكرية سورية.
وفي سياق متصل، أصدرت عشائر الهرمل بياناً دعت فيه الدولة اللبنانية إلى التدخل، وطالبت الجيش اللبناني بحماية البلدات الحدودية مع سوريا.


