في جنوب لبنان وسوريا، لا تزال أصوات الغارات والانفجارات تتردد كأنها جزءٌ من النسيج اليومي للحياة. إسرائيل، التي لطالما نظرت إلى حدودها الشمالية كجبهةٍ مفتوحة، تعمل الآن على إعادة صياغة الجغرافيا الأمنية، ليس من خلال الضربات الجوية والاغتيالات وحسب، بل أيضاً عبر فرض واقعٍ عسكري جديد يتمثل في “المنطقة العازلة”، التي باتت تُرسّخ وجودها تحت غطاء “الضرورات الأمنية”.
المشهد ليس جديداً على لبنان، فإسرائيل سبق أن احتلت جنوبه لعقود، وحاولت فرض “حزام أمني” قبل انسحابها عام 2000. لكنها اليوم تُعيد إحياء الفكرة بصيغةٍ جديدة، تستند إلى ضوء أخضر ومزيج من الوجود العسكري المباشر، والغارات الجوية، وعمليات الاغتيال المركّزة. التوتر الأخير ليس مجرد تصعيد عابر، بل يُشير إلى استراتيجية إسرائيلية بعيدة المدى تهدف إلى ترسيخ سيطرتها الميدانية في الشمال، في وقتٍ يُعاني فيه لبنان من أزمات داخلية تُقيّد قدرته على الردع.
ضوء أخضر أميركي.. إسرائيل تُعيد رسم معادلات الأمن
في تصريحات تُثبت أن المخطط الاسرائيلي ليس مجرد تكتيك مؤقت، أعلن وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس أن قواته “ستبقى إلى أجل غير مسمى” في المنطقة العازلة على الحدود مع لبنان. وأشار إلى أن هذا الوجود الاسرائيلي ليس خاضعاً لأي جدول زمني، بل “مرتبط بالوضع الأمني”، ما يعني أن تل أبيب تحتفظ بحقها في البقاء العسكري وفقاً لما تعتبره تهديدات قائمة.
الأخطر في تصريحات كاتس أنها كشفت عن ضوء أخضر أميركي لدعم المشروع الاسرائيلي، بحيث أكد أن تل أبيب قدمت لواشنطن خريطة تُحدد المنطقة العازلة الجديدة، وحصلت على موافقة مبدئية على بقائها. هذا الموقف يُعزز الاعتقاد بأن إسرائيل تسعى إلى فرض أمرٍ واقعٍ جديد، بموافقةٍ دوليةٍ ضمنية، تحت ذريعة تأمين حدودها الشمالية.
لكن في المقابل، يُثير هذا التوجّه تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل بالاتفاقات السابقة، خصوصاً قرار مجلس الأمن 1701، الذي نصّ على انسحاب قواتها من جنوب لبنان بعد حرب 2006. غير أن ما يجري اليوم يُشير إلى أن إسرائيل ليست بصدد الانسحاب، بل تسعى إلى ترسيخ وجودها من خلال قوة الردع والضربات الاستباقية.
الاغتيالات كأداة تثبيت النفوذ: من الجنوب إلى الهرمل
إلى جانب التمدد العسكري المباشر، تواصل إسرائيل سياسة الاغتيالات كجزءٍ من استراتيجيتها لترسيخ “المنطقة العازلة”، بحيث تستهدف شخصيات قيادية في المقاومة، محاولةً ضرب شبكة القيادة والسيطرة داخل “حزب الله” والفصائل المتحالفة معه.
آخر هذه العمليات كان في منطقة الهرمل شمال شرقي لبنان، حيث استهدفت غارة إسرائيلية سيارةً، ما أدى إلى مقتل شخصين، أحدهم قيادي في “حزب الله”. وتأتي هذه الغارة بعد ساعات فقط من اغتيال قيادي آخر على طريق الهرمل – القصر، ما يُشير إلى أن إسرائيل باتت تتعامل مع كل لبنان كساحة عمليات أمنية مفتوحة، لا تقتصر على الجنوب فقط.
“محور فيلادلفيا”: منطقة عازلة أخرى على حدود غزة
المشروع الاسرائيلي في الشمال لا يقتصر على لبنان وحسب، بل يمتد إلى قطاع غزة أيضاً، حيث تسعى تل أبيب إلى فرض منطقة عازلة على الحدود مع مصر، تحت ذريعة منع تهريب السلاح.
وزير الدفاع الاسرائيلي أعلن بصورة صريحة أن قواته لن تنسحب من “محور فيلادلفيا”، وهو الشريط الحدودي الذي يمتد 14.5 كيلومتراً بين سيناء وقطاع غزة. هذه الخطوة تُعيد إلى الأذهان المحاولات الاسرائيلية السابقة لفرض سيطرة مطلقة على المعابر، بما في ذلك اتفاقية 2005 التي نصّت على إشراف أوروبي على الحدود.
حركة “حماس” سارعت إلى رفض هذا المخطط، معتبرةً أنه انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار ومحاولة لنسف أي جهودٍ للتهدئة. فإسرائيل، التي تدّعي التزامها بالاتفاقات الأمنية، تُمارس على الأرض سياسة الأمر الواقع، وتستخدم الأمن كذريعة لتوسيع نفوذها العسكري.
الرد اللبناني: ضغوط ديبلوماسية
لبنان الرسمي، وإن كان يرفض علناً فكرة “المنطقة العازلة”، إلا أن قدرته على الرد تبقى محدودة بسبب الوضع الداخلي المعقّد. وفي محاولةٍ لتحريك الملف دولياً، التقى رئيس الحكومة نواف سلام المسؤولة الفرنسية آن ماري ديسكوت، وناقشا ضرورة الضغط على إسرائيل لتنفيذ الانسحاب الكامل من الجنوب اللبناني.
أما وزير الخارجية يوسف رجّي فطالب فرنسا بتحركات أكثر حزماً، مؤكداً أن إسرائيل تُمارس الاحتلال بأشكالٍ جديدة، تحت مسمياتٍ أمنية. كما شدد على ضرورة تطبيق القرار 1701، ووقف الخروق الاسرائيلية اليومية التي تُهدد استقرار لبنان.


