يحبس اللبنانيون أنفاسهم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فتعود إلى الواجهة ذكريات مثقلة بصرخات الحرب ورائحة البارود. ها هو شبح “حرب الإسناد” يطلّ من بين أنقاض القرى الجنوبية، حيث لا تزال الجراح مفتوحة تنزف ذكريات التشرد والدماء. السلام هنا هشّ، كزجاج يلمع للحظة ثم يتحطم عند أول صدمة. لم تكن الصواريخ التي انطلقت من الجنوب باتجاه المطلة مجرد قذائف في الفراغ، بل رسائل ملتهبة فجّرت أسئلة كثيرة: من يشعل فتيل النار على حافة الهاوية؟ ومن يختبئ خلف دخان الصواريخ؟
هل هي رسالة دموية من “حزب الله” رداً على إعلان رئيس الحكومة نواف سلام انتهاء عصر السلاح، أم أن أجنحة داخل الحزب تواقة إلى معركة، حتى لو دفع لبنان ثمنها؟ أم أن فصائل فلسطينية تحاول إحياء “فتح لاند” بصواريخ بدائية، بعدما استخدمت المنطقة ذاتها سابقاً لإطلاق القذائف؟ أم أن إسرائيل نفسها تصنع ذريعة جديدة لتوسيع رقعة النار، خصوصاً أنها أمطرت المناطق اللبنانية بالصواريخ، مستثنية فقط موقع الاطلاق؟
هل يُرسم خط جديد من الجنوب اللبناني، ضمن مشهد الصراع بين واشنطن وطهران، حيث الأسئلة تتطاير ككرات نار في ليلة بلا نهاية؟ أم أن هناك أيدٍ خفية تحرك خيوط المأساة وفق حسابات المصالح الكبرى، فيصبح لبنان مرة أخرى ساحة لتنافس القوى العظمى؟
هل نحن أمام حرب أشباح جديدة، أم أن الصواريخ تنطق بأسماء جهات تفضّل البقاء في الظل؟ هل يُراد للبنان أن يكون مجرد ورقة بيضاء تكتب عليها شروط التهدئة والانفجار كلما تعثرت المفاوضات في عاصمة من عواصم العالم؟ أم أننا أمام لعبة شطرنج كبرى، تسقط فيها البيادق الأولى تمهيداً لضربة حاسمة للملك؟
وسط هذا التصعيد، كانت واشنطن تكشف عن مشروعها الأكبر: إدخال سوريا ولبنان في مسار التطبيع مع إسرائيل. إذ اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أن هذه الخطوة أصبحت “احتمالًا حقيقيًا”، مضيفاً أن “الرئيس السوري أحمد الشرع تغيّر عن مواقفه السابقة”.
إسرائيل تصعد عسكرياً
أعلنت إسرائيل اعتراض ثلاثة صواريخ أُطلقت، السبت، من جنوب لبنان باتجاه أراضيها، من دون أن تتبنى أي جهة مسؤولية الهجوم. وأفاد مسؤول إسرائيلي بأن “ستة صواريخ أُطلقت صباحاً على الجليل، ثلاثٌ منها دخلت الأراضي الاسرائيلية وتم اعتراضها”.
وبمجرد إطلاق الصواريخ، أمر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس الجيش بشنّ ضربات مكثفة، مستهدفاً “عشرات الأهداف الارهابية” في جنوب لبنان. وأكد الجيش الاسرائيلي تدمير عدد من منصات الاطلاق ومركز قيادة تابع لـ”حزب الله”، محمّلاً الحكومة اللبنانية مسؤولية ما يجري.
وأدت الغارات الاسرائيلية إلى مقتل أربعة أشخاص، بينهم طفلة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح في بلدة تولين. كما شملت الغارات مدينة صور ومناطق عدة في جنوب لبنان وشرقه، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. ووجه نتنياهو وكاتس تعليمات الى الجيش بتنفيذ “موجة ثانية” من الضربات، في تصعيد مسائي.
وفي أعقاب الهجمات، نفذ الجيش اللبناني عمليات تفتيش واسعة، وعثر على ثلاث منصات صواريخ بدائية الصنع شمال نهر الليطاني، بين كفرتبنيت وأرنون – النبطية، وقامت الوحدات العسكرية بتفكيكها، وأكد استمرار اتخاذ التدابير اللازمة لضبط الوضع في الجنوب.
“الحزب” ينفي علاقته.. والدولة تتحرك
نفى “حزب الله” علاقته بإطلاق الصواريخ، معتبراً أن “ادعاءات العدو الاسرائيلي تأتي ضمن ذرائع لمواصلة الاعتداء على لبنان”. وأكد التزامه باتفاق وقف إطلاق النار، ووقوفه خلف الدولة اللبنانية في مواجهة التصعيد الاسرائيلي.
وأدان رئيس الجمهورية جوزاف عون محاولات استدراج لبنان إلى دوامة العنف، مؤكداً أن “ما يحدث في الجنوب يشكل اعتداءً على لبنان ومشروع إنقاذه”.
ودعا رئيس مجلس النواب نبيه بري السلطات الأمنية والقضائية إلى كشف ملابسات الهجوم، معتبراً أن “المستفيد الأول من التصعيد هو إسرائيل، التي خرقت القرار 1701 أكثر من 1500 مرة، بينما التزم به لبنان بالكامل”.
وحذر رئيس الحكومة نواف سلام من مخاطر انزلاق البلاد إلى حرب جديدة، مشدداً على أن “الدولة وحدها هي من تملك قرار الحرب والسلم”.
وحض الناطق الرسمي باسم “اليونيفيل”، أندريا تيننتي، جميع الأطراف على ضبط النفس، محذراً من أن “أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة”.
التطبيع.. حديث الساعة من جديد
وسط هذه الأجواء، أثار المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف جدلاً بتصريحاته حول إمكان “تطبيع لبنان وسوريا مع إسرائيل”، معتبراً أن ذلك قد يكون جزءاً من “صفقة سلام إقليمية”. وأكد أن إدارة ترامب تسعى الى “بناء الثقة مع إيران” عبر قنوات خلفية، على الرغم من الرفض الايراني العلني للتهديدات.


