وسط أزمة سياسية واقتصادية خانقة، وتحديات أمنية صعبة، يتأرجح لبنان بين محاولات ترميم مؤسساته الداخلية وضغوط الخارج لفرض إصلاحات جذرية. تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان لم يكن مجرد قرار إداري، بل محطة مفصلية كشفت هشاشة التوازنات السياسية، بحيث جاء التوافق عليه من الأضداد، فيما وقفت حكومة نواف سلام على هامش المشهد، مطالبة بضمانات لملف الودائع والاصلاحات النقدية. وفي موازاة ذلك، تتصاعد التحديات الأمنية مع استمرار الاعتداءات الاسرائيلية، في وقت يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون رسم معالم مقاربة جديدة للملف الدفاعي، مؤكداً أن “حزب الله متعاون في الجنوب”، وأن حصرية السلاح ستكون ضمن استراتيجية وطنية لا إملاءات خارجية. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تتجه الأنظار إلى باريس، حيث يجري عون محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسط مفاجأة ديبلوماسية تمثلت في إعلان لقاء ثلاثي يجمعه بماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع، برعاية سعودية، فيما تستقبل جدة محادثات بين وزيري دفاع البلدين بعد بروز الحاجة الى تواصل لبناني – سوري إثر الأحداث الأخيرة على الحدود الشرقية اللبنانية.
التعيين المالي.. الحاكم بين قيود الداخل وضغوط الخارج
وسط مشهد اقتصادي مأزوم، خرج تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان ليعكس التوازنات السياسية الهشة في البلاد. القرار الذي جاء بعد تصويت داخل مجلس الوزراء لم يكن خالياً من التباينات، إذ دعم التعيين وزراء محسوبون على “حزب الله”، وحركة “أمل”، و”القوات اللبنانية”، و”الكتائب”، والحزب “التقدمي الاشتراكي”، ووزراء الرئيس عون، فيما امتنع رئيس الحكومة ونائبه طارق متري وعدد من الوزراء عن التصويت، معبّرين عن تحفّظهم على التعيين ومطالبين بضمانات واضحة تتعلق بالاصلاحات المالية، وعلى رأسها إعادة أموال المودعين، وترتيب العلاقة مع صندوق النقد الدولي.
قرار التعيين لم يكن مجرد خطوة إدارية، بل جاء وسط أزمة اقتصادية غير مسبوقة، بحيث يعيش لبنان حالة من الشلل المالي، مع فجوة مصرفية تقارب 67 مليار دولار، وانعدام الثقة بالنظام المصرفي، وعجز المصرف المركزي عن تلبية حاجات السوق المالية. من هنا، يواجه الحاكم الجديد تحدياً معقداً: كيف يمكنه فرض سياسات نقدية مستقلة في بلد تتحكم فيه المصالح السياسية والطائفية؟ هل سيتمكن من تحقيق إصلاحات حقيقية تعيد ثقة الداخل والخارج، أم سيكون مجرّد امتداد للمنظومة المالية السابقة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع؟
المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد، تراقب عن كثب تحركات الحاكم الجديد، إذ سبق أن ربطت أي دعم للبنان بضرورة تنفيذ إصلاحات جذرية تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، توحيد أسعار الصرف، وإقرار قانون “الكابيتال كونترول” الذي لا يزال يراوح مكانه وسط تجاذبات سياسية. فهل سيتمكن الحاكم الجديد من السير على خيط رفيع بين المطالب الخارجية والتوازنات الداخلية، أم أنه سيجد نفسه عاجزاً عن إحداث أي تغيير فعلي؟
إسرائيل تغتال في ظل غياب معادلة الردع
على الصعيد الأمني، يزداد المشهد اللبناني تعقيداً مع عودة سياسة الاغتيالات الاسرائيلية بوتيرة متصاعدة، مستحضرةً مرحلة “حرب الإسناد” حين كانت المعادلة واضحة: “قتل مقابل قتل”. لكن اليوم، تبدو الأمور مختلفة، إذ تنفّذ إسرائيل عملياتها من دون أي ردّ موازٍ، ما يثير تساؤلات حول مستقبل قواعد الاشتباك القائمة بين المقاومة والعدو الاسرائيلي.
إسرائيل، التي تستهدف قيادات في لبنان وسوريا وفلسطين، تستفيد من المناخ الاقليمي المضطرب ومن التوازنات الدولية غير المستقرة لفرض رؤيتها الأمنية، بينما يبقى الردّ اللبناني محكوماً بحسابات داخلية وخارجية دقيقة. في هذا السياق، لا يخفي الرئيس عون قلقه من التصعيد، لكنه يشدد على أن “حزب الله متعاون في الجنوب”، مؤكداً أن ملف السلاح يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية دفاعية وطنية تُناقش داخلياً، وليس من خلال فروضات خارجية أو مواجهات غير محسوبة.
لقاء ثلاثي في باريس بمظلة سعودية
وسط هذه التطورات، يتوجه الرئيس عون اليوم إلى باريس في زيارة تحمل دلالات سياسية وأمنية واقتصادية بارزة. الزيارة التي تأتي في توقيت حساس تتجاوز اللقاء المعتاد بين عون ونظيره الفرنسي، إذ أعلنت الرئاسة الفرنسية عن لقاء ثلاثي يجمع عون وماكرون والشرع، في اجتماع غير مسبوق منذ اندلاع الأزمة السورية. هذا اللقاء، الذي يحظى برعاية سعودية، يأتي على وقع محادثات وزيري دفاع لبنان وسوريا في جدة، حيث يتم البحث في ترسيم الحدود، وضبط عمليات التهريب وعودة النازحين السوريين.
الملف الاقتصادي.. دعم مشروط بالاصلاحات
على الصعيد الاقتصادي، يحمل عون في جعبته ملفات معقدة، أبرزها الحاجة إلى دعم فرنسي في التفاوض مع صندوق النقد الدولي. باريس، التي لعبت دوراً رئيسياً في المفاوضات اللبنانية، سبق أن ربطت أي مساعدة مالية للبنان بضرورة تنفيذ إصلاحات تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، توحيد أسعار الصرف وإقرار قانون “الكابيتال كونترول”.
وكان الموفد الفرنسي جان إيف لودريان نقل في زياراته الأخيرة إلى بيروت رسالة واضحة: “لا مساعدات دولية من دون إصلاحات فعلية”. فهل سيتمكن عون من انتزاع دعم فرنسي حقيقي، أم أن باريس ستكتفي بالدعم الديبلوماسي من دون التزام مالي مباشر؟
التعاون اللبناني – السوري تحت المظلة السعودية
بعيداً من الاقتصاد، يحضر الملف الأمني بقوة في زيارة عون، خصوصاً في ظل محادثات لبنانية-سورية برعاية سعودية في جدة. هذه المحادثات التي تهدف إلى ضبط الحدود، وإنهاء عمليات التهريب، وتأمين عودة النازحين السوريين، تأتي بعد تأجيل زيارة وزير الدفاع ميشال منسى إلى دمشق، اذ يبدو أن التواصل بين البلدين احتاج الى رعاية خارجية، بل ربما تحديداً سعودية.


