دخل لبنان خلال الساعات الماضية رسميّاً المعتركَ الانتخابيَّ البلديَّ والاختياري، بعد تسع سنوات من المماطلة والأسباب غير المنطقية التي حالت دون إجراء هذا الاستحقاق. وتزامنت الأجواء التي رافقت هذه الانتخابات منذ اللحظة الأولى، مع جولات متتالية لرئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار. وبعد نحو 12 ساعة متواصلة، أُقفلت صناديق الاقتراع أمام الناخبين في مدن محافظة جبل لبنان وبلداتها، بنسبة مشاركة أولية وغير نهائية بلغت نحو 44%.
صحيح أن نسبة المشاركة لم تتجاوز الـ 50%، إلا أنّ العملية الانتخابية جرت في أجواء شبه هادئة في عدد من المناطق، بينما شهدت مناطق أخرى معارك انتخابية شرسة، منها: جونيه، الجديدة – البوشرية – السد، وبعبدا. ويبقى الأهم اليوم التركيز على العمل الإنمائي لخدمة المناطق، والابتعاد عن منطق المحاصصة والحسابات الضيقة خلال المراحل المقبلة، خصوصاً أن الأنظار تتجه إلى “أمّ المعارك” في بيروت والشمال، لا سيما طرابلس، ثم البقاع والجنوب.
وهكذا، كان يوم أمس حافلاً بممارسة الحقّ الديموقراطي من خلال التصويت في صناديق الاقتراع، مارسه اللبنانيون على الرغم من كل محاولات التشكيك التي أحاطت بالأجواء، ورأت أن الوصول إلى هذا الاستحقاق وفي هذا الوقت القصير من سابع المستحيلات.
وقبل الدخول في تفاصيل هذا اليوم، خطف الأنظار القرار الذي أعلنته دولة الامارات العربية المتحدة خلال الساعات الماضية، والقاضي برفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان بدءاً من السابع من الشهر الجاري. وهذا ما يضع لبنان على سكة التعافي الحقيقي، لا سيما مع عودة جزء أساسي من المجتمع العربي إلى البلاد، الأمر الذي يؤكد أن الصفحة الماضية قد طُويت بكل ما للكلمة من معنى، في ظل العهد الجديد، وأن لبنان بدأ عودته التدريجية إلى حضنه العربي بعد مرحلة من السياسات الكيدية التي أطاحته.
وأجرى الرئيس عون اتصالاً هاتفياً برئيس دولة الامارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان شكره خلاله على قراره الأخوي بالسماح بسفر مواطنيه إلى لبنان ابتداء من ٧ أيار، وأعرب له عن تقديره وامتنانه لسرعة تلبيته لهذا الطلب عقب لقائه الأخير معه في أبوظبي.
كما قدر عون “هذه الخطوة وهذه الاستجابة الكريمة التي تُعبّر عن نُبل الموقف وصدق النوايا، حيث وعد ووفى”، مبدياً تطلعه إلى “مزيد من التعاون المثمر لما فيه مصلحة الشعبين الشقيقين اللبناني والاماراتي”.
كما أشاد رئيس الحكومة نواف سلام بهذا القرار، قائلاً: “لبنان واللبنانيون ينتظرون بشوق رؤية أشقائهم الاماراتيين كما كل الأخوة في الخليج وسائر العرب في الربوع اللبنانية”.
وكتب الرئيس سعد الحريري عبر حسابه الخاص على منصة “إكس”: “كل التقدير والامتنان لتوجيهات رئيس دولة الامارات الشيخ محمد بن زايد، السماح للمواطنين الاماراتيين بالسفر الى لبنان. هذه الخطوة المباركة تعكس الحرص العميق لدولة الامارات وقيادتها على لبنان دولة وشعباً، كما تجسد عمق ومتانة العلاقة بين البلدين”.
وبالعودة الى جولات المسؤولين خلال المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية في محافظة جبل لبنان، قال الرئيس عون من وزارة الدفاع: “لديّ ملء الثقة بنجاح هذا الاستحقاق الدستوري، وما نشهده اليوم في جبل لبنان سيشكّل حافزاً لباقي المحافظات”، معتبراً أن “الهدف هو إنعاش البلديات تمهيداً لإنعاش الوطن بأكمله”.
وأكد وزير الداخلية قبيل فتح صناديق الإقتراع، اشرافه على العملية لأهمية انجاح هذا الاستحقاق، مشيراً الى أن “غرفة العمليات ستواكب كل المخالفات التي قد تحصل وستتخذ الاجراءات اللازمة وفق القوانين”. وأعرب عن سعادته “لاعادة انتظام الوضع في لبنان وأن الاستحقاقات الدستورية تقام في مواعيدها وهذه انطلاقة جديدة للبنان”.
وتوجّه الحجار الى “ثانوية المربي أحمد كزما الرسمية للبنات” في منطقة الغبيري لتفقد مجريات العملية الانتخابية، مؤكداً أن “الاتصالات على الخط الساخن قائمة، وقد تمت معالجة النواقص البسيطة، والأمور تسير على ما يرام وسأتابع موضوع الإنتخابات في الناعمة بشكل مباشر، فالدولة هي ضمانة المواطنين وعليها احتضانهم”. وأوضح أن “ما من شكاوى تصل الى وزارة الداخلية حتى الساعة انما استفسارات حصراً”.
وشدد من الغبيري على “حياد الدولة”، قائلاً: “طلبت من الادارات وموظفي الدولة عدم التدخل ومكافحة أي مخالفة والحرص على سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها، وإجراء الانتخابات يؤكد أن النجاح في أي مجال يتطلب الارادة ونأمل أن تمر الانتخابات على خير وتفرز العمل الانمائي الذي يهم اللبنانيين”.
وإثر ذلك، لم يتردد اللبنانيين عموماً وأهالي جبل لبنان خصوصاً عن تقديم الشكاوى عندما يرونها مناسبة، اذ تجاوز عددها 300 شكوى مقدمة الى وزارة الداخلية.
ومساء، زار رئيس الحكومة وزارة الداخلية، ورأى أن “إدارة العملية الانتخابية أثبتت جهوزيتها وجرت العملية بسلاسة وسلامة لم تخلُ من بعض الشكاوى التي تعد قليلة جداً، وراقبت كيف كانت تتابع معالجة الشكاوى التي هي بمجملها شكاوى إدارية وتحل بسرعة”، معتبراً أن “الانتخابات البلدية هي مناسبة لمحاسبة ممثلين في البلديات عبر اختيار أعضاء جدد وتفعيل دور البلديات”.
وشكر “للوزير ولجهاز وزارة الداخلية هذا العمل الرائع الذي سمح لنا القيام بواجبنا الدستوري والديموقراطي في وقته، وبدور كل الأجهزة الأمنية والجيش ومشاركة القضاة الذين واكبوا العملية ليس اليوم فقط إنما خلال العملية التحضيرية، وكانت المواكبة الأهم للإعلام لتأمين شفافية العملية الانتخابية”، مؤكداً “اننا ننتظر صناديق الاقتراع للمراحل المقبلة في الشمال وبيروت والبقاع لاكتمال عقد هذه العملية الانتخابية ونكون بذلك قد جددنا حيوية البلديات”.


