تصعيد اسرائيلي من غزة إلى اليمن ولبنان

لبنان الكبير / مانشيت

تتحرك إسرائيل بخطى ثابتة نحو توسيع خريطة المواجهة الاقليمية، مستندة إلى قراءة ظرفية ترى فيها أن اللحظة مؤاتية لفرض وقائع جديدة بالقوة. من قطاع غزة، حيث أعلنت خطة تصعيد تدريجي تستهدف تهجير السكان وتفكيك البنية التحتية، إلى اليمن، حيث نفذت بالتنسيق مع الولايات المتحدة ضربات واسعة النطاق على ميناء الحديدة ومنشآت عسكرية للحوثيين، مروراً بلبنان، حيث عاد الجنوب والبقاع إلى مرمى الغارات. كل ذلك لا يُقرأ باعتباره ردوداً تكتيكية، بل كجزء من استراتيجية إسرائيلية متكاملة تهدف إلى اختبار سقف الصمت الاقليمي والدولي.

في غزة، وعلى الرغم من انهيار المفاوضات حول صفقة تبادل أسرى، اختارت حكومة بنيامين نتنياهو التصعيد على حساب المسار السياسي. التصريحات الرسمية الاسرائيلية أوضحت بجلاء أن المعركة المقبلة ستشمل “نقل غالبية السكان” من مناطق العمليات، في ما يبدو أقرب إلى خطة تهجير منهجية، توازيها عمليات جوية وبرية أوسع مما شهده القطاع منذ بدء المواجهة الحالية. إعلان الجيش عن عملية “عربات جدعون” وتفعيل استدعاء الاحتياط يعكس توجهاً لفرض حل عسكري شامل على وقع عجز سياسي داخلي في تل أبيب.

في اليمن، جاءت الضربة الصاروخية التي نفذها الحوثيون على مطار بن غوريون لتشكّل نقطة تحول. فالرد الاسرائيلي لم يتأخر، ونُفّذ بغارات جوية مكثفة شاركت فيها أكثر من 30 طائرة، استهدفت منشآت حيوية في الحديدة ومديرية باجل. العملية وُصفت بأنها “إسرائيلية بحتة” ولكن بتنسيق تام مع الجانب الأميركي، ما يكشف عن توافق سياسي – عسكري حول استثمار هذا التصعيد لضبط قواعد الاشتباك مع المحور الايراني. الرسالة الاسرائيلية كانت واضحة: الرد على التهديدات لن يقتصر على غزة، وكل ساحة مفتوحة سيتم التعامل معها وفق موقعها الجغرافي لا قوتها الفعلية.

أما لبنان، فدخل مجدداً دائرة النار، وإن بصورة محدودة حتى الآن. الغارات الاسرائيلية التي طالت منطقة الشعرة الحدودية وطيرحرفا في الجنوب، تعكس توجهاً لإبقاء الضغط العسكري قائماً على الأطراف المعنية في الداخل اللبناني، كما أن تحليق الطيران الحربي والمروحي في الأجواء اللبنانية يُبقي المجال مفتوحاً أمام توجيه ضربات إضافية في أي لحظة.

وسط هذا التصعيد أنجز لبنان الاستحقاق الانتخابي البلدي، ومن يراقب الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في جبل لبنان، سرعان ما يدرك أنها لم تكن مجرّد استحقاق إنمائي محلي، بل نسخة مصغّرة ومبكرة من الانتخابات النيابية المرتقبة في ربيع 2026. انتخابات بلدية؟ نعم في الشكل. لكن في المضمون، كانت انتخابات نيابية بامتياز، صراعاتها أبعد من الأرصفة والصرف الصحي، ونتائجها تعكس توزانات الكتل السياسية، وصدى المعركة الكبرى المقبلة على المقاعد النيابية.

المعركة التي خيضت في هذه الدورة لم تعنِ الناس بمقدار ما عكست رهانات الأحزاب، فقد غابت البرامج وحضرت الاصطفافات، سقطت الشعارات الإنمائية لتحل مكانها أجندات شدّ العصب الطائفي والحزبي. وكان لافتاً أن أبرز المعارك دارت في البيت المسيحي، حيث خيضت المواجهة الأشرس بين قوى “التيار الوطني الحر” من جهة، وتحالف “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” من جهة أخرى، وكأن “جبل لبنان” صار ساحة اختبار مسبق للحضور المسيحي عشية الانتخابات النيابية.

في جونية، عاصمة كسروان السياسية، شكل تحالف “القوات” – “الكتائب” – فعاليات المنطقة جبهة متماسكة في وجه لائحة مدعومة من “التيار الوطني الحر”، في مشهد ذكّر بمحطات الصراع المسيحي – المسيحي. أما في المتن الشمالي، فقد تلقى التيار وآل المر صفعة مزدوجة بخسارتهم في مناطق الجديدة – البوشرية – السد، في مقابل فوز لائحة “القوات” و”الكتائب”، ما يعكس تراجع النفوذ التقليدي لصالح القوى المنظمة والمعارضة للمنظومة.

لكن المفاجآت لم تكن أحادية الاتجاه. ففي العقيبة، قلب دائرة النائب القواتي شوقي الدكاش، قلب “التيار الوطني الحر” الطاولة، وفاز في معقل لا يُفترض أن تكون له فيه الغلبة. الأمر نفسه تكرر في دير القمر، حيث سقط تحالف “القوات” مع الوزير السابق ناجي البستاني أمام لائحة مدعومة من التيار وحزب “الوطنيين الأحرار”، ما يدل على أن الاصطفافات المسيحية لم تعد محكومة بمناطق النفوذ التقليدي، بل بتبدّل المزاج الشعبي وتراجع الثقة ببعض رموز المعارضة.

في جبل لبنان، فرضت الثنائية الجنبلاطية – الأرسلانية سطوتها عبر تفاهم انتخابي هادئ لكنه فعّال، فاستعادت الزعامة الجبلية كامل سيطرتها على المجالس البلدية، في مشهد يبدو أن لا مكان فيه للحراك المدني أو للبدائل التغييرية. أما الثنائي الشيعي، فقد كانت الانتخابات بالنسبة اليه أشبه بإثبات وجود لا يحتاج إلى منافسة، بل إلى تجديد الولاء الشعبي في بيئة لا تزال تمسك بها الثنائية نفسها بقبضة من حديد، لا سيما “حزب الله” الذي رأى في هذه الانتخابات أول اختبار شعبي بعد الحرب الاسرائيلية الأخيرة التي أضعفت صفوفه وأثقلت كاهله بالخسائر.

الرسالة الأهم التي تحملها هذه الجولة من الانتخابات أن الساحة السياسية دخلت مرحلة التسخين الكامل استعداداً للنيابية. فالنتائج لا تُقرأ فقط بالمجالس البلدية التي تغيّرت، بل بالرمزية السياسية للتحالفات والخيارات التي بدأت تتبلور. والمفارقة أن كل طرف قرأ النتائج على طريقته: “التيار الوطني الحر” يعتبر أن فوزه في معاقل خصومه يعني إعادة تعويمه، فيما يرى حزبا “القوات” و”الكتائب” أن انتصاراتهما تدل على أنهما أصبحا الممثل الفعلي والأكثر شعبية في الشارع المسيحي.

في هذه الأثناء، يخوض الجيش اللبناني معركتين في آن: واحدة ضد مصانع السمّ القاتل في أقاصي الشمال الشرقي، وثانية لضبط الفوضى الصاروخية في الجنوب.

تفكيك معمل الكبتاغون في الهرمل ليس مجرد عملية أمنية بل رسالة واضحة بأن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون محطة في ممرّات التهريب الاقليمي. ومعه، يأتي تسلّم الجيش مطلوبين من “حماس” بعد إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، كخطوة أخرى نحو إعادة الإمساك بقرار الأمن على الحدود، في ظل تعقيدات إقليمية ومحاولات البعض جر البلاد إلى مربع الفوضى.

شارك المقال