مقاطعة طرابلسية تترجم فقدان الأمل… وأسبوع معركة بيروت انطلق

لبنان الكبير / مانشيت

في زمن الانتخابات، تُنصب صناديق الاقتراع لتكون مرايا الشعوب، لكن في شمال لبنان، بدت هذه الصناديق أشبه بتوابيت، لا تعكس إرادة التغيير بقدر ما تفضح عمق الخلل في البنية السياسية والاجتماعية. فبدلاً من أن يكون يوم الأحد عرساً ديموقراطياً، تحوّل إلى مزيج من الصمت، والإحباط والدماء.

في عكار، كان أحد الآباء يوثّق أجواء “الابتهاج الانتخابي” ببثّ مباشر عبر حسابه على “فايسبوك”، حين دوّت فجأة صرخة مروّعة خلفه… ليتبيّن أنّ ابنه أصيب برصاصة طائشة أُطلقت في الهواء. لحظة واحدة اختصرت مأساة بلدٍ لا يعرف كيف يفرح من دون أن يؤذي نفسه، ولا كيف يمارس الديموقراطية من دون أن يسقط ضحايا.

في طرابلس، لم يكن الرصاص سيد الموقف بل اللامبالاة. نسبة الاقتراع لم تتجاوز 27%، التعددية في اللوائح، وارتفاع منسوب التشطيب، جعلا من هذا الاستحقاق اختباراً صعباً، أدى إلى تأخير فرز النتائج وإرباك المشهد الانتخابي.

في بقية البلدات الشمالية، لم يكن الحال أفضل. عشرات الإشكالات الأمنية والادارية وقعت في مراكز الاقتراع، ما اضطر القوى الأمنية إلى التدخل، وإغلاق بعض الأقلام مؤقتاً. تم توقيف بعض المخالفين بتهم الرشوة وسرقة صناديق، فيما بدا الجيش اللبناني كأنه يُطفئ نيراناً قبل امتدادها.

وفي الخلفية، خريطة سياسية أكثر هشاشة، بحيث بدا واضحاً أن التنافس البلدي لا يخرج من عباءة العصبيات المناطقية والطائفية، ولا يستولد مشروعاً إنمائياً بقدر ما يعمّق الانقسام ويعيد إنتاج شبكات الزبائنية.

على الرغم من ذلك، لم تغب الدولة بالكامل. وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار جال على عدد من المراكز، فيما تابع وزير الدفاع ميشال منسى التطورات الأمنية، وسط اهتمام لافت من الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، في محاولة لاحتواء الشوائب التي طغت على اليوم الانتخابي.

وبينما تُطوى صفحة الشمال وعكار، تتحضّر بيروت لدخول معركتها البلدية أواخر هذا الأسبوع، وسط سخونة سياسية مرتقبة، وتعقيدات تتعلق بعدم ضمان المناصفة، وكثرة اللوائح، واحتمالات التشطيب حتى داخل التحالف الواحد.

اقليمياً ودولياً، وبعد أن تحوّل “طوفان الأقصى” من لحظة مقاومة إلى لعنة متواصلة على غزة، تُركّب “حماس” اليوم خطاباً جديداً أقرب إلى التسليم، وتفتح قنوات الاتصال المباشر مع الادارة الأميركية، في توقيت بالغ الدلالة عشية زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة.

“حماس” أعلنت رسمياً أنها أجرت محادثات مع واشنطن، وأبدت “إيجابية عالية” في إطار جهود الوسطاء – قطر، مصر وتركيا – للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وفي خطوة رمزية لافتة، أبدت استعدادها لإطلاق سراح الجندي الأميركي الاسرائيلي عيدان ألكسندر، ضمن سياق صفقة إنسانية -سياسية متكاملة تشمل فتح المعابر، إدخال المساعدات وتبادل الأسرى.

الحركة أكدت أيضاً أنها مستعدة للدخول في مفاوضات مكثفة تفضي إلى اتفاق نهائي، يتضمّن وقفاً للحرب، وتكليف “جهة مهنية مستقلة” بإدارة قطاع غزة. وفي مضمونها، لا تعني هذه العبارة سوى تنازل عملي عن السلطة، بعد سنوات من السيطرة المطلقة.

ويأتي هذا التوجّه بعد أسابيع من إعلان “كتائب القسام” فقدان الاتصال بالمجموعة المسؤولة عن حماية ألكسندر، الذي ظهر في فيديو سابق موجّهاً انتقادات حادّة الى ترامب وبنيامين نتنياهو، ومعبّراً عن خوفه من أن يُقتل تحت القصف. وبينما تشير التقديرات إلى أن 24 أسيراً إسرائيلياً لا يزالون أحياء في قبضة المقاومة، يقبع أكثر من 9500 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال.

في موازاة ذلك، تتّجه إسرائيل إلى التصعيد مجدداً على جبهة اليمن، معلنةً نيتها ضرب موانئ الحديدة الثلاثة بحجة استخدامها لأغراض عسكرية من الحوثيين. التهديد جاء بعد استهداف الحوثيين محيط مطار بن غوريون بصاروخ باليستي، ما دفع تل أبيب إلى سلسلة غارات مدمّرة طالت مطار صنعاء ومصنعَي إسمنت ومحطات للكهرباء، وسط تصعيد إعلامي وتحذيرات إسرائيلية للمدنيين اليمنيين بإخلاء المناطق المستهدفة.

هذا التصعيد يأتي على الرغم من تفاهمات غير مباشرة بين واشنطن والحوثيين، يُعتقد أنها أُبرمت بوساطة عُمانية، وتقضي بتجنيب السفن الأميركية الهجمات في البحر الأحمر. لكن الواضح أن إسرائيل لا تنوي الالتزام بصيغ التهدئة ما لم تُفرض عليها وقائع عسكرية.

وفي مشهدٍ موازٍ بعيداً عن الجبهات، أعلنت الولايات المتحدة رسمياً التوصّل إلى اتفاق تجاري مع الصين، بعد مفاوضات ناجحة في جنيف شارك فيها وزير الخزانة سكوت بيسنت والممثل التجاري جيميسون غرير، إلى جانب نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ. وأكّد المسؤولان الأميركيان أن الخلافات لم تكن عميقة كما كان يُظن، وأن الاتفاق سيساعد في معالجة العجز التجاري الضخم الذي تخطى 2.1 تريليون دولار.

لكن اللافت لم يكن في مضمون الاتفاق، بل في ما قاله ترامب بعده. فبعد إعلان التوصّل إلى الصفقة، كتب الرئيس الأميركي على منصته “تروث سوشيال”: “الخبر القادم سيكون الأهم والأكثر تأثيراً على الاطلاق”.

عبارة مبهمة، لكنها كافية لإعادة خلط الأوراق. فهل يكون المقصود إعلاناً يتعلق بتفاهم إقليمي، أو بمسار جديد في الحرب على غزة، أو حتى بصفقة كبرى تشمل إيران ولبنان واليمن؟

شارك المقال