قبل ساعات فقط من انطلاق الجولة الثالثة من الانتخابات البلدية والاختيارية، تخوض بيروت معركتها الأكثر حساسية، وسط مخاوف تتجاوز التنافس التقليدي لتلامس خطر “التشطيب” الطائفي داخل اللوائح نفسها. أربع لوائح تتسابق في العاصمة، تتقدمها اللائحة الائتلافية “بيروت بتجمعنا”، مدعومة من أطياف سياسية متعددة، في مقابل لوائح يقودها النائب نبيل بدر، ورولا العجوز و”المقاصد”، إلى جانب التغييريين و”الكتلة الوطنية”. وعلى الرغم من تعدد الأسماء، يبقى الهاجس واحداً: انهيار المناصفة، وتحوّل الانتخابات من فرصة ديموقراطية إلى فتيل توتر طائفي.
تداعيات زلزال طرابلس لا تزال ترخي بثقلها على المشهد البيروتي، بعد سقوط التمثيل المسيحي بالكامل هناك، وغياب النساء للمرة الأولى منذ العام 2004 عن المجلس البلدي. ومع تنامي مناخات القلق، تتكثف الدعوات إلى الانضباط الانتخابي، وتحديداً من القوى المسيحية التي ترى في العاصمة خط دفاع أخير عن توازن بات مهدداً.
لكن الداخل اللبناني، المنهك انتخابياً وأمنياً، لم يُعفَ من الضغوط الدولية المتصاعدة. وفي هذا السياق، خرجت نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، بموقف لافت، دعت فيه لبنان بوضوح إلى “اتّباع نموذج الرئيس السوري أحمد الشرع الذي قدّم ضمانات سياسية وحقوقية مقابل رفع العقوبات وفتح باب الاستثمارات”.
أورتاغوس، التي أعادت التشديد على التزام إدارة دونالد ترامب بسياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، وضعت “حزب الله” مجدداً في صدارة الاستهداف الأميركي، معتبرة أن لا مبرر لبقاء سلاحه، وأنه المسؤول عن جرّ لبنان إلى حربين مدمّرتين، ويعيد اليوم توريط الجنوب في معركة لا يريدها أحد.
وفي تلميح لافت، ربطت أورتاغوس بين مصير لبنان وإمكان انضمامه إلى اتفاقيات أبراهام، تماماً كما هو مطروح لسوريا، معتبرة أن “السلام لا يأتي إلا من موقع قوة”، وأن لا دولة مزدهرة من دون حصرية السلاح في يد الجيش اللبناني. وبالتوازي، أعلنت الخزانة الأميركية عقوبات جديدة على شبكات مالية تابعة لـ “حزب الله”، في إطار ما وصفته بأنه “مرحلة جديدة من تجفيف التمويل والدعم الايراني”.
هكذا، بينما يتخبّط البرلمان اللبناني في مناقشات متوترة حول إعفاء المتضررين من العدوان الاسرائيلي من رسوم المياه والكهرباء ومن الغرامات، وتتقاذف القوى السياسية الاتهامات حول تمثيل الطوائف والمناطق، تُرسم خارطة جديدة للمنطقة من الخليج إلى واشنطن، ترعاها عودة ترامب إلى الشرق الأوسط، وتُطرح فيها أسئلة وجودية على لبنان: هل يستمر في الدوران حول ذاته، أم يحسم خياره بين السلاح والدولة؟
أورتاغوس تسوق لبيروت بلا سلاح
“من يستطيع أن يفوّت صيف بيروت؟ أظن أن العالم كله يريد أن يكون هناك”… بهذه العبارة الودودة، استهلّت أورتاغوس حديثها عن لبنان، في ما بدا تسويقاً سياحياً ناعماً لعاصمة منهكة، قبل أن تنقلب النبرة سريعاً إلى نبرة هجومية حادة تجاه “حزب الله”، وسلاحه، ودوره في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، التي اعتبرتها “دمّرت لبنان من جديد”.
وقالت أورتاغوس في مقابلة مع LBCI حملت الكثير من الرسائل السياسية المبطّنة والمباشرة، إن الادارة الأميركية، بقيادة ترامب، أعادت تفعيل سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، ووضعت “حزب الله” في صلب هذه المواجهة، من خلال تجفيف مصادر تمويله، واستهداف الشبكات المالية التي تغذّيه، داخل لبنان وخارجه.
أورتاغوس، التي تحدثت بثقة عن “رؤية اقتصادية جديدة للبنان”، مدعومة من ترامب وفريقه، وضعت السلاح خارج الدولة في خانة العقبة الأساسية أمام أي نهوض، مؤكدة أن “لا مبرر لحزب الله في الاحتفاظ بأي سلاح”، وأنه “جرّ لبنان إلى حروب مدمّرة مرتين في عشرين عاماً”، وها هو اليوم يعيد الكرة، ويُقحم الجنوب وأهله في معركة لا يريدها أحد.
الاغتيالات الاسرائيلية مستمرة
في الميدان الجنوبي، نفذت مسيّرة إسرائيلية أمس، غارة بصاروخ موجَّه مستهدفة جرافة قرب معمل حمدان في منطقة السهل بين بلدتي يحمر الشقيف وأرنون، وأُفيد بوقوع إصابة. وأعلن الجيش الاسرائيلي، “القضاء” على عنصر في “حزب الله” في غارة بطائرة مسيّرة على جنوب لبنان.
في هذه الأثناء، أفادت وزارة الخزانة الأميركية على موقعها الالكتروني بأن الولايات المتحدة فرضت عقوبات جديدة على “حزب الله” المتحالف مع إيران.
وكانت الوزارى أعلنت في وقت سابق، فرض عقوبات على شبكة لبنانية تعمل على التهرب من العقوبات لدعم الفريق المالي لـ”حزب الله”، الذي يشرف على مشاريع تجارية وشبكات تهريب نفط تدر عائدات مالية للتنظيم.
وأوضحت المتحدثة باسم الوزارة تامي بروس، في بيان أن “مثل هذه الشبكات تساهم في تعزيز نفوذ إيران وحزب الله، ما يقوّض استقرار لبنان”.
وشملت العقوبات خمسة أفراد وثلاث شركات مرتبطة، من بينهم أفراد من عائلات شخصيات بارزة في الحزب.
المرصد البلدي
تفصلنا زهاء 48 ساعة عن الجولة الثالثة من الانتخابات البلدية والاختيارية التي ستُجرى في العاصمة بيروت والبقاع، وسط معارك محتدمة في مختلف المناطق.
في بيروت، تتنافس أربع لوائح انتخابية، ويبقى الهاجس الأكبر هو عمليات “التشطيب” التي يبدو أنها ستطال بعض اللوائح من داخلها. من أبرز اللوائح المتنافسة:
- اللائحة الائتلافية التي تجمع مختلف الأحزاب.
- لائحة النائب نبيل بدر بالتعاون مع “الجماعة الإسلامية”.
- لائحة رولا العجوز و”المقاصد”.
- ولائحة التغييريين مدعومة من “الكتلة الوطنية”.
من بيروت إلى البقاع، حيث تشتد المعارك الانتخابية، لا سيما بعد إعلان المجتمع المدني والقوى التغييرية مواجهة “حزب الله” بلائحة تضم أبناء المدينة المعارضين للنهج السياسي السائد، في وقت لا يفوّت فيه الحزب فرصة من دون اتهام خصومه بمحاولة إقصائه من بعلبك.
في الفاكهة، تبلورت صورة المعركة مع اكتمال اللوائح الثلاث المتنافسة، فيما تشهد الهرمل مواجهة بين لائحتين.
أما عروس البقاع زحلة، فتترقّب إحدى أشرس المعارك، خصوصاً مع التصعيد بين مرشّح حزب “القوات اللبنانية” والمرشّح المنافس، في ظل حديث عن احتمال دعم رئيسة “الكتلة الشعبية” مريم سكاف لمرشّح “الكتائب” والنائب ميشال ضاهر.
الأنظار الآن كلّها تتّجه إلى الأحد… يوم الحسم المنتظر.


