بعد إعلانه رفع العقوبات عن سوريا، أطلّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب من على متن طائرته الرئاسية ليؤكد أن القرار اتُّخذ بشكل سيادي، من دون الرجوع إلى أي طرف، “ولا حتى إسرائيل”، على حد تعبيره. ولم يكتفِ ترامب بتبرير قراره، بل ذهب أبعد، مشيداً بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، واصفاً إيّاه بـ”القائد الشاب القوي”، ومعتبراً أن سوريا أمام فرصة تاريخية للخروج من أزمتها الطويلة.
الرئيس الأميركي الذي طالما قدّم نفسه كـ”صانع صفقات”، بدا وكأنه يفتح صفحة جديدة في مقاربة واشنطن للمنطقة، تقوم على البراغماتية بدل العقوبات، والتسويات بدل العزل. فإشادته بالشرع، في هذا التوقيت بالذات، لا تبدو مجرد انطباع شخصي، بل رسالة سياسية للداخل السوري، وللعواصم المؤثرة في الملف السوري، من طهران إلى موسكو، وقد تكون رسالة إلى بلدان كانت محكومة من وكلاء ايران، ليتبعوا النهج نفسه.
لكن، في المقابل، لم تنتظر إسرائيل طويلاً للرد. فبعد ساعات على ختام جولة ترامب الخليجية، شنت تل أبيب سلسلة غارات على ميناءي الحديدة والصليف في اليمن، متوعدة بقصف قيادة الحوثيين، وفي تهديد مباشر بتصفية عبد الملك الحوثي، في مشهد يعكس اختلافاً صارخاً في أولويات الحليفين الأميركي والاسرائيلي.
فعلى الرغم من اتفاق التهدئة الذي رعته واشنطن بوساطة عمانية مع الحوثيين، جاءت الضربات الاسرائيلية كرسالة اعتراض صريحة على أي مسار تهدئة مع ايران ووكلائها في المنطقة. فتل أبيب التي ترى في الحوثيين تهديداً مباشراً لأمنها البحري والجوي، قررت أن تعلن رفضها للتفاهمات الناشئة بالنار، وبخطاب تصعيدي لا يخلو من التحدي لخيارات واشنطن.
هكذا، يتقاطع مشهد الشرق الأوسط بين تصريحات تمهّد لتسويات أميركية وغارات إسرائيلية تفرض واقعاً ميدانياً مضاداً. ترامب يُربّت على كتف الشرع، وبنيامين نتنياهو يُطلق صواريخه على صعدة والحديدة. فهل نحن أمام خلاف استراتيجي يتوسع بين واشنطن وتل أبيب، أم أن المسألة لا تتعدّى توزيعاً دقيقاً للأدوار: واشنطن تفاوض وتُهادن، وتل أبيب تُهاجم وتُهدّد؟
في الحالتين، المنطقة لا تزال عالقة بين مفردات التسوية وصياغات التصعيد. بين رئيس يُقدَّم كأمل لبلد مدمر، وآخر يُدرَج على لائحة الأهداف. وبين شرق أوسط يُراد له أن يولد من جديد، وآخر يُدفن كل يوم تحت ركام المرافئ والمنازل، تبقى الحقيقة المؤلمة: القرار لم يُصنع بعد في ساحات هذه المدن، بل في مراكز النفوذ التي تحدّد من يُصافَح… ومن يُقصف.
“غضب الأهالي” و”اليونيفيل” مجدداً
وفيما يُحاول لبنان استعادة توازنه وسط العواصف الاقليمية والضغوط الداخلية، عاد الجنوب مجدداً إلى واجهة الأحداث، وهذه المرة من بوابة بلدة الجميجمة في قضاء بنت جبيل. ففي مشهد يعكس هشاشة العلاقة الميدانية بين قوات “اليونيفيل” وبعض البيئات المحلية، تطوّر احتكاك ميداني إلى إشكال عنيف بين الأهالي ودورية أممية، استُخدمت فيه أدوات حادة، وقنابل مسيلة للدموع، قبل أن يتدخل الجيش اللبناني لتطويق التوتر. بيان “اليونيفيل” جاء حاداً، وصف فيه ما جرى بـ”الهجوم غير المقبول”، مُلوّحاً بخرق القرار 1701، ومشدّداً على حق القوات الدولية في حرية الحركة المستقلة. في المقابل، رواية الأهالي تحدّثت عن “انتهاك للأملاك الخاصة”، وعن استخدام مفرط للقوة من الجنود الأمميين. وبين البيانين، يقف الجنوب على خط تماس جديد… هذه المرة مع بعثة يُفترض أنها جاءت لحفظ السلام.
سلام يشدد على حصرية السلاح
في موازاة هذا المشهد الميداني المقلق، أطلّ رئيس الحكومة نواف سلام برسائل سياسية واضحة من بوابة القمة العربية المرتقبة، مؤكداً أن لبنان “عاد إلى الحضن العربي”، ويحمل معه إلى بغداد “رسالة وعد وأمل”. وتحدّث عن فرصة جديدة يبنيها اللبنانيون وسط الركام، عن مشروع لاستعادة الثقة داخلياً وخارجياً، وعن التزام واضح بحصرية السلاح بيد الدولة كما نص عليه اتفاق الطائف والبيان الوزاري الذي وافق عليه “حزب الله” نفسه. الحكومة – بحسب رئيسها – ماضية في ضبط المطار والحدود، وتعمل على إطلاق ورشة إعادة إعمار حقيقية، مشيراً إلى نجاح المملكة العربية السعودية في رفع العقوبات عن سوريا بوصفه تحولاً إقليمياً كبيراً يعيد خلط الأوراق ويضع لبنان أمام واجب التموضع مجدداً داخل الخريطة العربية.
المرصد البلدي
عشية المعركة البلدية والاختيارية في العاصمة بيروت، لا بدّ من التوقّف عند أهمية الحفاظ على المناصفة التي لطالما شكّلت ركيزة أساسية في المشهد البيروتي خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، برزت لائحة ائتلافية توافقية، هدفها الأول المحافظة على المناصفة داخل المجلس البلدي، إلى جانب تعزيز العيش المشترك في جميع أحياء العاصمة وشوارعها.
إنها لائحة “بيروت بتجمعنا” برئاسة المهندس إبراهيم زيدان، والتي يتألف أعضاؤها من أصحاب خبرات متنوعة في مجالات عدة، ما يُشكّل نقطة قوة تدعم العمل الإنمائي المنتظر في المرحلة المقبلة.
ووفق المعطيات المتوافرة، هناك إقبال بيروتي واسع على هذه اللائحة التوافقية، التي جمعت مختلف القوى والشخصيات تحت شعار جامع عنوانه “بيروت بتجمعنا”. ويبدو أن هذا الإقبال سيتُرجم فعلياً يوم غد الأحد في صناديق الاقتراع، انطلاقاً من تمسّك البيارتة بالمناصفة والعدالة، وهما من أبرز الركائز التي تشكّل الهوية الحقيقية لبيروت.
لذلك، لا بد من تسليط الضوء على البرنامج الإنمائي الذي وضعته اللائحة، والذي يتضمّن أكثر من عشر نقاط محورية تهدف إلى خدمة العاصمة وأبنائها. وفي مقدّمة هذه النقاط، تأتي دعوة المغتربين للمساهمة في الإنماء المحلي، عبر ربط الطاقات والخبرات والاستثمارات بالمشروع البلدي. تليها نقطة الاصلاح الاداري والحوكمة بما يشمل رقمنة الخدمات البلدية لتسهيل معاملات المواطنين.
ومن أبرز البنود أيضاً:
- توليد الطاقة النظيفة والمستدامة.
- إعادة تأهيل الطرقات والبُنى التحتية.
- إدارة النفايات عبر إعادة التدوير والاستخدام، وإنشاء مكتب متخصص داخل البلدية لضمان تنفيذ الاستراتيجية بفعالية.
- صيانة المساحات الخضراء والحدائق وتوسيع رقعتها داخل المدينة.
- تأهيل شبكة الإنارة العامة وإعادة تشغيل إشارات المرور الحديثة لضمان السلامة المرورية.
- تعزيز قدرات الحرس البلدي وفوج الإطفاء وتزويدهما بالمعدات اللازمة لتعزيز الأمن والسلامة العامة.
أما في الشق الاجتماعي، فلم تغب الخدمات الصحية عن البرنامج، بحيث شملت الخطة: تطوير المستشفى الحكومي وتوسيع خدماته، وتفعيل مراكز الرعاية الصحية الأولية وانتشارها الجغرافي لتلبية احتياجات الأهالي.
كذلك، أولت اللائحة أهمية خاصة لدعم المبادرات الفردية والمشاريع الناشئة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب طرح خطة لاستحداث مناطق اقتصادية حرّة تحفّز النمو وتؤمن فرص عمل للشباب.
إذاً، هو برنامج متكامل، يتضمن رؤية إنمائية واضحة، تركّز على مختلف القطاعات الحيوية، وفي طليعتها المناصفة، كضمانة وطنية وركيزة أساسية لحماية بيروت وهويتها الجامعة.


