بين صناديق اقتراع في بيروت وصناديق انتظار في الجنوب، وبين منافسة بلدية شرسة في البقاع ودعوات عربية لإرساء السيادة في لبنان، يتحوّل مشهد البلد الصغير إلى بانوراما سياسية تختصر التناقضات: ديموقراطية منقوصة في الداخل، وسيادة معلّقة على حدود مشتعلة.
في بيروت، العاصمة التي لطالما كانت مرآة الجمهورية، تنطلق الدورة الثالثة من الانتخابات البلدية وسط تنافس بين ست لوائح، تتوزع بين قوى تقليدية وتحالفات متبدّلة وأصوات تغييرية. صناديق العاصمة اليوم ليست صناديق اقتراع وحسب، بل “صندوق فرجة” حقيقي، يتأمل اللبنانيون من خلاله احتمالات المستقبل.
مشهدية اللوائح تعكس الصراع العميق على المجلس البلدي. لائحة “بيروت بتجمعنا” صاحبة الماكينات الأكثر وهدف وحدة القوى التقليدية وخصوصاً الخصوم “حماية المناصفة”. في المقابل، تخوض لائحة “بيروت مدينتي” معركتها بضعف في تركيبتها وفي تاريخ قريب تسبب بالضرر لبيروت، وباتت انعكاساً لقوى تغييرية لم تحقق أي انجاز سوى انجازها الوحيد أنها أتت بحكومة حسان دياب ولو بطريقة غير مباشرة، وثالثة باسم “بيروت بتحبك” مدعومة من النائب نبيل بدر الذي يحاول أن يثبت نفسه بين الفاعليات البيروتية، فيما تتوزع بقية اللوائح بين رهانات خاسرة، ومحاولات يسارية متعثّرة، وأصوات عائلية خجولة.
وفي بيروت، كما في كل لبنان، لا تنفصل البلديات عن السياسات الكبرى. فالمعركة، وإن غُلّفت بعنوان “الخدمات والتنمية”، تبقى مرآة لصراع الصلاحيات، خصوصاً بعد فشل السلطة في تمرير قانون اللائحة المقفلة الذي انكسر أمام مطالب البيارتة باعادة الصلاحيات الى المجلس البلدي.
أما في البقاع، فالمعركة تتخذ بعداً آخر. من بعلبك إلى شعت، ومن زحلة إلى عرسال، الثنائي الشيعي يواجه نفسه، والعائلات تنتفض من الداخل. في قرى تعتبر تاريخياً “محسومة”، بدأت تظهر لوائح مستقلة مدعومة من العائلات، كما في شعت، حيث آل العرب ينقلبون على الثنائي بلائحة معارضة. في عرسال، اللوائح غير مكتملة لكنها محمّلة بنبض التغيير. وفي زحلة، المعركة مسيحية – مسيحية على خلفية التوازنات الوطنية.
وبينما اللبنانيون منشغلون بخياراتهم المحلية، كانت بغداد تستضيف قمة عربية خرجت بأهم موقف رسمي عربي منذ سنوات: دعوة صريحة لتنفيذ القرار 1701 كاملاً، وسحب سلاح “حزب الله” من الجنوب.
رئيس الحكومة نواف سلام، شدد في خطابه أمام القمة، على التزام الدولة اللبنانية الكلي بالقرار الدولي، وعلى أن قرار السلم والحرب يجب أن يعود حصراً للدولة. كلام بدا وكأنه موجّه أكثر إلى الداخل اللبناني منه إلى الخارج، في ظل تعقيدات المشهد السياسي، واستمرار الاعتداءات الاسرائيلية من جهة، ورفض “حزب الله” الالتزام الصريح بحدود القرار من جهة ثانية.
الدعوة العربية، التي تبنّاها العراق والسعودية والأمم المتحدة، رافقتها إشادة بخطوات الاصلاح التي أعلن عنها لبنان، مقابل تحذيرات سورية من تفتيت الدولة، ونداءات فلسطينية لإنهاء الحرب. لكن الثابت في كل تلك المواقف، أن السيادة لم تعد مفهوماً نظرياً، بل مطلب عربي مشترك وشرط لأي دعم مستقبلي.
في الخلاصة، تبدو بيروت اليوم في واجهة الاختبار المحلي، والبقاع في صلب المعركة مع الأحادية، بينما جنوب لبنان يترنح بين وقف إطلاق نار هش، وتموضع دولي جديد يسائل لبنان الرسمي عن جدية التزامه بتنفيذ القرار 1701.
إسرائيل تستهدف قائداً في “حزب الله”
في الميدان، أعلن الجيش الاسرائيلي مقتل قائد عسكري في “حزب الله” في غارة جوية استهدفت سيارته في وادي خليل بمنطقة الزرارية، جنوب لبنان. وتعد هذه الضربة الرابعة خلال أسبوع. وادعى الجيش أن القتيل كان يعمل على إعادة بناء بنى تحتية عسكرية للحزب، في خرق للاتفاقيات المبرمة عقب وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، والذي نص على انسحاب “حزب الله” إلى شمال الليطاني. ووفق الاعلام الاسرائيلي، فإن المستهدف هو قائد ميداني محلي لم تُكشف هويته. كما نفذت إسرائيل غارات إضافية على عيتا الشعب وكفركلا وألقت قنابل صوتية على مناطق مأهولة.
قمة بغداد
اقليمياً، انعقدت القمة العربية الرابعة والثلاثون في بغداد وسط حضور عربي ودولي، تقدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وشارك فيها كل من لبنان وسوريا بخطابين عبّرا عن مرحلة سياسية جديدة وتحديات مشتركة.
- لبنان: أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان “فتح صفحة جديدة” تقوم على الاصلاح واستعادة السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، مطالباً المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. وأعلن التزام حكومته بتنفيذ القرار 1701، ورفض لبنان أي محاولة لتهجير الفلسطينيين أو توطينهم.
- سوريا: حذّر وزير الخارجية أسعد الشيباني من محاولات تقسيم سوريا، مجدداً التمسك بالوحدة والسيادة. وطالب العرب برفض التدخلات الخارجية، مؤكداً أن دمشق تعمل على صياغة دستور جديد والتحضير لانتخابات برلمانية جامعة.
- فلسطين: دعا الرئيس محمود عباس إلى تبني خطة عربية لوقف إطلاق النار في غزة وإطلاق عملية سياسية تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية، مطالباً بعقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار في القاهرة.
- الدعم الاقليمي: السعودية أعلنت دعمها لسوريا ولبنان، فيما خصص العراق 20 مليون دولار لدعم غزة ولبنان. وطالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لوقف إطلاق النار في غزة، بينما شدد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على إنهاء الكارثة الإنسانية في القطاع فوراً.
القمة اختتمت بتأكيد العمل العربي المشترك وتغليب المصالح العليا، وسط تزايد التعقيدات الاقليمية وغياب أي أفق سياسي واضح حتى الآن.


