بروفا إسرائيلية نارية لانتخابات الجنوب… هوكشتاين: الترسيم البري في متناول اليد

لبنان الكبير / مانشيت

قبل يومين من موعد فتح صناديق الاقتراع في الجنوب اللبناني، صعّدت إسرائيل هجماتها الجوية، مستهدفةً مواقع في النبطية وصور والبقاع، ترافقت مع تحذيرات علنية للمدنيين بإخلاء بعض المباني. هذا التصعيد الميداني بدا وكأنه يحمل رسالة مزدوجة: إلى الداخل اللبناني عشية الانتخابات، وإلى المجتمع الدولي في لحظة تتكثف فيها النقاشات حول سلاح “حزب الله”، وترسيم الحدود، ومستقبل القرار السيادي في الجنوب.

لبنانياً، اعتبرت قوى سياسية أن الغارات تهدف إلى التأثير على مجريات الانتخابات البلدية والاختيارية في محافظتي الجنوب والنبطية. وسارع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الرد بنداء دعا فيه إلى المشاركة الواسعة في الاقتراع، مشدداً على أن الاستحقاق البلدي يتجاوز الطابع الاداري، ليشكّل موقفاً وطنياً يؤكد تمسّك الجنوبيين بأرضهم وهويتهم، خصوصاً في القرى الحدودية الأكثر عرضة للتهديدات الاسرائيلية.

في المقابل، تتعامل واشنطن مع المستجدات الميدانية من زاوية مختلفة. ففي حوار مع صحيفة “الشرق الأوسط”، اعتبر الموفد الأميركي السابق آموس هوكشتاين أن ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل بات “في متناول اليد”، مشيراً إلى تقدم في المفاوضات غير المباشرة، لكنه ربط تحقيق ذلك بضرورة انسحاب “حزب الله” إلى شمال الليطاني، وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل جنوباً بدعم مباشر من واشنطن، ما يعكس توجهاً أميركياً واضحاً لربط أي اتفاق مستقبلي بدور أكبر للدولة اللبنانية ومؤسساتها.

في موازاة ذلك، أُحرز تقدم نوعي على مسار آخر طالما شكّل مصدر توتر داخلي، وهو ملف السلاح الفلسطيني. فقد أفضت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت إلى توافق سياسي مع الحكومة اللبنانية على إنهاء وجود السلاح داخل المخيمات وخارجها، وتشكيل لجنة لبنانية-فلسطينية مشتركة لمتابعة تنفيذ هذا القرار. ويمثّل هذا الاتفاق خطوة عملية لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية، بعد سنوات طويلة من التعقيدات السياسية والأمنية التي عطّلت تسوية هذا الملف.

يتقاطع التصعيد الاسرائيلي مع حراك لبناني داخلي واستحقاق انتخابي حساس، فيما تحاول الولايات المتحدة الدفع نحو تسوية شاملة تشمل الحدود والسلاح والدور السيادي للدولة. أما الجنوب، فهو على موعد مع اختبار جديد يُحدّد ليس شكل المجالس البلدية وحسب، بل أيضاً موقع الدولة من معادلات الداخل والخارج.

تصعيد إسرائيلي في الميدان

شنّ الطيران الحربي الاسرائيلي سلسلة غارات استهدفت مناطق عدة من الجنوب والبقاع، بينها الصوانة، وادي برغز، مرتفعات إقليم التفاح، بوداي، وتولين. وترافقت هذه الغارات مع تحذيرات علنية أطلقها المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي، دعا فيها سكان بلدة تول إلى إخلاء أحد المباني، متهماً “حزب الله” باستخدامه كموقع عسكري. ونُفّذ الهجوم لاحقاً على المبنى قرب دوار حاروف، في ظل تحليق مكثف للطيران المسيّر في المنطقة.

وفي بيان رسمي، أعلن الجيش الاسرائيلي استهداف مواقع تابعة لـ “حزب الله”، شملت منصات صواريخ وبنية تحتية، مشيراً إلى “أنشطة عسكرية للحزب” داخل تلك المناطق.

نداء بري: المشاركة رد على العدوان

يتزامن التصعيد العسكري مع الاستعدادات لإجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في الجنوب. وفي هذا الاطار، وجّه الرئيس بري نداءً إلى الجنوبيين دعاهم فيه إلى الاقتراع بكثافة للوائح “التنمية والوفاء”، واصفاً الانتخابات بأنها “رد سياسي على العدوان الاسرائيلي”. وأكد أن القرى الحدودية ستبقى لبنانية ولن تتحول إلى شريط عازل مهما غلت التضحيات.

الحكومة: جهود ديبلوماسية لإطفاء التصعيد

رئيس الحكومة نواف سلام أكد أن الحكومة تبذل جهوداً ديبلوماسية عربية ودولية لاحتواء التصعيد الاسرائيلي، وضمان إجراء الانتخابات في أجواء آمنة. وشدد على أن الحكومة مستمرة في خطة إصلاح شاملة، معتبراً أن العلاقات اللبنانية-العربية في تحسّن ملموس.

الجيش: نلتزم بالقرار 1701 رغم التحديات

ولمناسبة ذكرى “المقاومة والتحرير”، أعلن قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في أمر اليوم أن الجيش يواصل انتشاره في الجنوب على الرغم التحديات من. وأكد أن الاحتلال الاسرائيلي ما زال يعرقل بسط سلطة الدولة، ويشكّل خرقاً للقرارات الدولية، مجدداً التزام المؤسسة العسكرية بتطبيق القرار 1701 بالتنسيق مع “اليونيفيل”.

هوكشتاين: لبنان أمام فرصة لإعادة بناء دولته

أما على المستوى الديبلوماسي، فرأى هوكشتاين أن ترسيم الحدود البرية بات ممكناً إذا ما انسحب “حزب الله” إلى شمال الليطاني، وانتشر الجيش اللبناني جنوباً بدعم مباشر من الولايات المتحدة. واعتبر أن الحزب لم يعد يملك النفوذ ذاته الذي كان يمتلكه سابقاً، مشدداً على أن لبنان أمام فرصة لإعادة بناء دولته عبر إصلاحات جذرية.

ووصف هوكشتاين “حزب الله” بأنه ذراع لإيران، مشيراً إلى أن أي تسوية مستقرة تتطلب سيطرة الدولة على كامل أراضيها، بما يشمل ضبط الحدود السورية-اللبنانية وعودة اللاجئين. كما رأى أن لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع شكّل تطوراً إيجابياً قد يخدم لبنان.

وقال هوكشتاين إن لبنان لا يحتاج إلى مساعدات إنسانية بل إلى استثمارات، مؤكداً أن استعادة الثقة الدولية بالدولة اللبنانية وفرض السيادة الكاملة هما مفتاح أي استقرار مستقبلي.

شارك المقال