لبنان ليس بخير بعد، لكنه قرّر أن يكون أفضل. هذا ما تكشفه مؤشرات الأيام الأخيرة، حيث يتحرّك المشهد السياسي – الأمني بتناغم استثنائي بين أركان “ترويكا العهد”: رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة والمؤسسة العسكرية. والهدف واضح: إنهاء زمن ازدواج القرار والسلاح، واستعادة المبادرة من يد المحاور المتشابكة إلى حضن الدولة الواحدة بقرارها، وسلاحها وخياراتها السيادية.
في بيروت، كان رئيس الجمهورية جوزاف عون يترجم هذا المسار السيادي بخطوات ملموسة، فاستقبل وفداً إماراتياً تنفيذياً رفيعاً جاء ترجمة لنتائج القمة اللبنانية-الاماراتية الأخيرة. الوفد الذي ضم خبراء ومسؤولين من وزارات ومؤسسات اتحادية، لم يأتِ مجاملة، بل للتحقّق من حاجات الدولة اللبنانية، ومقاربة ملفات الرقمنة، وتحديث الادارة، والحوكمة، والاستثمار في الاقتصاد المعرفي. وشدد رئيس الجمهورية على أن لبنان لا يريد مساعدات مشروطة، بل شراكة مبنية على الثقة والتكامل، مذكّراً بوقوف الامارات التاريخي إلى جانب لبنان، وبدور الشيخ محمد بن زايد في رفع الحظر عن السفر وتشجيع الاستثمارات.
رئيس الحكومة نواف سلام، من على منبر قمة الإعلام العربي في دبي، قدّم خطاباً سيادياً صريحاً، فدعا إلى تحرير الدولة من ثنائية القرار التي أنتجتها ثنائية السلاح، مؤكداً أن الإصلاح لا يكتمل إلا بالسيادة، وأن لبنان لا يريد أن يبقى ساحةً لصراعات الآخرين، بل جسر وشريك في التنمية. وشدد على أن معركة لبنان ليست اقتصادية فحسب، بل معركة وعي وكرامة وقرار. وأعاد التذكير بالقرار 1701، وبالهوية العربية للبنان، وأشاد بالدور الخليجي ولا سيما الاماراتي، واضعاً مشروعه خارج منطق المحاصصة والصفقات، ومحدداً بوضوح أن لا دولة تحت ظل سلاح غير شرعي.
وبين السطور والكلمات، كان الجيش اللبناني يكتب نصه الخاص. خرقٌ إسرائيلي خطير في ميس الجبل، توغل آليات وقضم أرض، فكان الرد سريعاً: وحدات من فوج التدخل تدخل إلى الأرض، تزيل الساتر الترابي، وتثبت أن لا أرض تُنتزع، ولا سيادة تُباع. تحرك الجيش لم يكن تفصيلاً أمنياً، بل تجسيد لمعادلة أرادها العهد الجديد: السيادة ليست خطاباً يُلقى في المحافل، بل فعل يُمارس على الأرض.
وإذا كانت هذه “الترويكا الوطنية” قادرة على الحفاظ على نبض واحد، ومشروع واحد، فإن كفة الدولة قد تُرجّح أخيراً في معركة الكيان والقرار. لكنّ ذلك لن يتحقق إلا إذا التزمت بقية القوى السياسية الصمت حين يجب، والدعم حين يُطلب، والكفّ عن الرهان على السلاح حين يتعلق الأمر بسيادة الدولة.
سلام يلتقي بن زايد
بعد مواقفه عالية النبرة في دبي، أعلن الرئيس سلام عن زيارته لرئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وكتب عبر حسابه الخاص على منصة “اكس”: “قمتُ بزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في قصر البحر في أبو ظبي. خلال اللقاء، تباحثنا في سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين بلدينا الشقيقين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات، خاصة الاقتصادية والتنموية”، مضيفاً: “أعربتُ عن تقديري الكبير للتجربة الإماراتية الرائدة في مجالات التنمية المستدامة والتكنولوجيا والحوكمة، وأكدّت حرصي على الاستفادة منها لدعم مسيرة التقدم في لبنان”.
وختم سلام: “قدمتُ شكري إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على قراره رفع حظر السفر عن المواطنين الإماراتيين، مؤكداً أن أبواب لبنان مفتوحة دوماً لكل الأشقاء العرب. كذلك، عبرتُ عن امتناني لدولة الإمارات على استضافة عشرات آلاف اللبنانيين الذين يعملون ويعيشون فيها حياة هانئة ومستقرة”.
التمديد لـ “اليونيفيل”
على وقع الخروق الاسرائيلية، استقبل وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى في مكتبه في اليرزة، المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا. وتم خلال اللقاء التداول في أهمية تعزيز التنسيق المستمر مع منظمات الأمم المتحدة، خصوصاً قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان. وفي هذا السياق، شدد الوزير منسى على “أهمية التمديد لمهمة اليونيفيل في جنوب لبنان خلال شهر آب المقبل من دون إدخال أي تعديلات عليها، مع التأكيد على الدور الأساسي الذي تؤديه هذه القوة في دعم الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة”. وتناول البحث ملف النازحين السوريين في لبنان وضرورة وضع خطة واضحة لعودتهم إلى بلادهم، في ظل المتغيرات التي طرأت على الساحة السورية. وشمل النقاش أيضاً الوضع على الحدود اللبنانية السورية والاجراءات المتخذة لمراقبة الحدود وضبطها.
بخاري في وزارة المال
في المواكبة الخارجية أيضاً، استقبل وزير المال ياسين جابر سفير المملكة العربية السعودية وليد بخاري، وجرى عرض للأوضاع العامة والخطوات الاصلاحية التي تقوم بها وزارة المال. وتوقف الطرفان عند الدينامية الجديدة التي تتبعها الوزارة، والمتمثلة في إجراءات تسرّع متطلبات الاستقرارين المالي والنقدي وتحفّز النمو. كما جرى عرض للعلاقات الثنائية اللبنانية -السعودية والأجواء الإيجابية التي أرختها مواقف المملكة تجاه لبنان، والتي من دون شك ستُعزز العلاقات الفُضلى والمميزة بين الدولتين والشعبين الشقيقين، والتي يؤمل أن تعطي أيضاً دفعاً لتنشيط عوامل الاستثمار وتشجيعه لتعود الدورة الاقتصادية في البلاد إلى حال التعافي. وأبدى جابر ارتياحاً للأجواء التي سادت اللقاء، معرباً عن تفاؤله بأن تنتج الخطوات الاصلاحية المتسارعة التي يقوم بها لبنان سواء على المستوى الحكومي أو التشريعي، واقعاً نهضوياً يؤشر إلى مرحلة انفراج مقبلة.


