تتكثّف خطوط التوتر في الشرق الأوسط مع تقاطع الأزمتين الايرانية واللبنانية في لحظة حساسة تُعيد رسم المشهد الاقليمي. في وقت تسعى فيه واشنطن الى إحياء اتفاق نووي مع طهران، ترفع إسرائيل منسوب تحذيرها من اقتراب إيران من العتبة النووية، وترافق هذا التصعيد مع تنفيذ عملية اغتيال دقيقة في جنوب لبنان، في ما بدا وكأنه رسالة مزدوجة: الرد على تهديدات طهران، وتثبيت الهيمنة الاسرائيلية على الجبهة الشمالية.
ففي طهران، صدر تقرير بالغ الخطورة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كشف أن إيران رفعت مخزونها من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى أكثر من 400 كيلوغرام، أي بزيادة قدرها 50% خلال ثلاثة أشهر فقط. التقرير حذّر من أن طهران باتت على بعد خطوة تقنية قصيرة من إنتاج مواد تكفي لتصنيع نحو عشر قنابل نووية، في حال اتخاذ القرار السياسي. كما اتهمتها الوكالة بإخفاء أنشطة سرية في مواقع مثل لاويسان وتورقوز آباد، وتنظيفها بشكل متعمد لإعاقة عمليات التفتيش، ما دفع القوى الغربية إلى التحضير لقرار في مجلس محافظي الوكالة يعلن عدم امتثال إيران، في خطوة قد تعيد الملف إلى مجلس الأمن لأول مرة منذ 2005.
إسرائيل، التي اعتبرت التقرير بمثابة دليل قاطع على نوايا إيران العسكرية، طالبت عبر مكتب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بـ”تحرك دولي فوري”، معتبرة أن “مستوى التخصيب الحالي لا يبرر أي استخدام مدني”، وأن “إيران مصممة على إنتاج أسلحة نووية على الرغم من كل التحذيرات”.
وفي خضم هذا التصعيد، تحوّلت الرسائل النووية إلى رسائل ميدانية: فجر السبت، استهدفت طائرة إسرائيلية مسيّرة سيارة في بلدة دير الزهراني – قضاء النبطية، ما أدى إلى مقتل محمد علي جمول على الفور. وأعلن الجيش الاسرائيلي أن جمول هو قائد وحدة صاروخية في “حزب الله” بقطاع الشقيف، واتّهمه بالتخطيط لهجمات على الداخل الاسرائيلي، والعمل على إعادة بناء البنية التحتية العسكرية للحزب في الجنوب، واصفاً تحركاته بأنها “خرق صارخ للتفاهمات”.
وفي هذا المناخ المضطرب، يصل وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي إلى بيروت غداً الاثنين في الثاني من حزيران، في زيارة تُقرأ بوضوح كرسالة دعم سياسي ومعنوي لما تبقّى من نفوذ طهران في لبنان. توقيت الزيارة، المتزامن مع الاتهامات الدولية المتصاعدة واستمرار اغتيالات كوادر في “حزب الله”، يُظهر أنها أشبه بمحاولة لشدّ عصب “فلول المحور الايراني” في لحظة انكشاف إقليمي غير مسبوقة. فمع تراجع الحضور الايراني على امتداد ساحات المنطقة، تسعى طهران إلى تأكيد رمزي أن ذراعها في لبنان لا تزال قائمة – وإن بصعوبة.
في المقابل، تسلك المملكة العربية السعودية مساراً مغايراً في دمشق، حيث تؤسس لمرحلة جديدة من الانخراط العربي في الملف السوري، عنوانها: إعادة الإعمار، والعودة إلى الحاضنة العربية. فخلال مؤتمر صحافي مع نظيره السوري أسعد الشيباني، أعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن بلاده ستكون “في طليعة الدول التي تدعم النهوض الاقتصادي في سوريا”، مشيراً إلى دعم مالي مشترك مع قطر لموظفي القطاع العام، وسداد ديون مستحقة على دمشق للبنك الدولي.
لقاء بن فرحان مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وزيارته الرمزية إلى المسجد الأموي في دمشق، شكّلا إعلاناً سياسياً واقتصادياً أن الرياض قررت ملء الفراغ العربي… بيد من إعمار، لا بندقية.
الرئيس الشرع من جهته وصف المرحلة بـ”الاستراتيجية”، وأكد دخول بلاده في مسار استثماري مع المملكة وقطر يشمل إعادة البنية التحتية، إنعاش الزراعة، وخلق فرص عمل حقيقية، في لحظة تسعى فيها سوريا إلى طي صفحة الحرب والانهيار.
وبينما تُسرّع إيران وتيرة تخصيبها وتُتّهم بإعادة بناء شبكاتها العسكرية عبر “حزب الله”، تحاول السعودية أن تعيد دمشق إلى الصف العربي من بوابة الاقتصاد والديبلوماسية. مشهدان متقابلان: الأول يغوص أكثر في العزلة والاشتباه، والثاني ينهض بخطى مدروسة نحو الحاضنة الاقليمية.
المفارقة أن المنطقة باتت اليوم تقف بين مشروعين: أحدهما يتقدم بالتخصيب والطائرات المسيّرة والاغتيالات، وآخر يبني على مبادرات التنمية وعودة الدور العربي. وما بين الخطين، تتكشف ملامح شرق أوسط جديد… تتصارع فيه القنابل والديون، والنفوذ والشرعية، والمواجهة والبناء.
التجديد لـ “اليونيفيل” يشغل لبنان الرسمي
في الداخل اللبناني، وفي ظل الحديث عن تغيير مهام “اليونيفيل” أو إنهائها، أكّد رئيس مجلس النواب نبيه بري في حديث لصحيفة “الشرق الأوسط” أن تجديد ولاية قوات “اليونيفيل” تصدّر جدول أعمال لقائه مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، مشيراً إلى تشكيل لجنة رسمية لصياغة رسالة إلى مجلس الأمن تطلب التمديد من دون أي تعديل.
وشدّد بري على تمسك لبنان بدور “اليونيفيل” ورفضه أي تغيير في مهامها أو تقليص عددها، محمّلاً إسرائيل مسؤولية خرق القرار 1701 وإفشال جهود التهدئة. وأكد التزام “حزب الله باتفاق وقف إطلاق النار”، مشيراً إلى أهمية تحرّك “الخماسية” للضغط على إسرائيل، والوقوف بوجه محاولاتها لإبقاء الجنوب تحت التهديد.
“اليونيفيل”: أنشطتنا مستمرة
في الغضون، أعلنت “اليونيفيل” في بيان عن مواصلة تنفيذ أنشطة صحية واجتماعية في إطار التعاون المدني العسكري، شملت تقديم استشارات طبية وخدمات صحية في بلدة بيت ليف، وتنظيم حملة تبرع بالدم بالتعاون مع الصليب الأحمر، إلى جانب تنفيذ مشاريع دعم في صور وتقديم بطاريات لنظام طاقة شمسية للصليب الأحمر. وشدّدت على أهمية هذه المبادرات في تعزيز الثقة بين “اليونيفيل” والسكان المحليين، ودعم الاستقرار في جنوب لبنان.


