اختبار الديبلوماسية الايرانية بلا “الممانعة”… “الحزب” يتحرش بـ”اليونيفيل”

لبنان الكبير / مانشيت

لم تكن زيارة عباس عراقجي إلى بيروت مجرّد محطة في جدول زياراته الاقليمية، بل حملت مؤشرات تتجاوز ما ورد في تصريحاته العلنية. فالديبلوماسي الايراني، الذي أتى من القاهرة، بدا كمن يتفقد إمكانات الحضور الايراني في المنطقة من دون عبء “محور الممانعة”، الذي تحول في نظر طهران نفسها، إلى ماضٍ ملعون يثقل الحاضر ولا يُبنى عليه المستقبل.

جاء عراقجي حاملاً كتابه “قوة التفاوض”، لا ليكرّس سطوة إيران السابقة، بل ليختبر فعالية أدواتها الجديدة: الديبلوماسية الناعمة، رسائل التطمين، والتودد باسم “عدم التدخل”، في لحظة سياسية تخشى فيها طهران من تجرّع سمّ الاتفاق النووي قبل أن تتأكد من أن الكأس لن تنفجر داخل حدودها. فالوضع الداخلي الايراني هش، والمرشد الأعلى لم يعد في موقع “الفقيه المؤسس”، والثقة بالنظام لم تعد تستند إلى شرعية ثورية أو استقرار اقتصادي.

رفع عراقجي في الشكل شعارات “فتح صفحة جديدة” و”عدم التدخل”، لكنه في الجوهر جاء يحمل عرضاً تفاوضياً مركباً: تجميد “تصدير الثورة” مقابل تثبيت حقّ تخصيب اليورانيوم. فإيران، التي باتت تُدرك كلفة مشروعها العقائدي في الاقليم، تحاول أن تُعيد تموضعها كدولة طبيعية على طاولة التفاوض الدولي، شرط أن لا تُمسّ مكاسبها التقنية والعلمية والاستراتيجية.

المعادلة واضحة: انكفاء أيديولوجي في الخارج مقابل استمرار برنامج التخصيب في الداخل، باعتباره “فخر الصناعة الايرانية” وخطاً أحمر لا يقبل المساس. وهو ما يشي بمحاولة مقايضة تهدف إلى تحصين الداخل الايراني من جهة، وتخفيف الضغط الخارجي من جهة أخرى، من دون تقديم تنازلات جوهرية في المسائل التي تعتبرها طهران “مفاتيح نفوذها”.

في الجنوب اللبناني، تجدد مشهد التحرّش بـ”اليونيفيل”، في حادثة جديدة كان أبطالها “الأهالي”، لكن بصمة “حزب الله” لم تكن خافية. فالحزب الذي لا يرغب فعلياً في خروج القوة الدولية، يحرص بين الحين والآخر على تذكير الجميع بأن وجودها مشروط برضاه لا بقرار مجلس الأمن. هذه التحرشات لم تعد مجرّد انفعالات شعبية، بل باتت أدوات ضغط محسوبة تُستخدم لتثبيت معادلة مفادها: “نحن من يملك مفاتيح الجنوب، ونحن من يقرّر متى يُفتح الباب ومتى يُغلق”.

وإذا كانت إيران تروّج لصفحة جديدة مع لبنان، فإن الحزب يحرص على أن تُكتب هذه الصفحة بيده، لا بأقلام وزارة الخارجية.

وفي الخلفية، تستمر طهران في الترويج لفكرة أنها لا تسعى إلى إنتاج سلاح نووي، لكنها تُصرّ في الوقت نفسه على أن تخصيب اليورانيوم “حق سيادي” لا مساومة عليه، على الرغم من أن ذلك يتعارض مع جوهر المطالب الغربية. لذا، تحاول إيران تمرير صفقة ضمنية: “نُهدّئ جبهاتنا، نُخفف نبرة الثورة، لكن لا تمسّوا برنامجنا النووي”.

أما لبنان، فمرة جديدة يُستعمل كساحة رسائل. اذ ان زيارة عراقجي ليست سوى جزء من لعبة التهدئة المدروسة التي تديرها طهران، بحيث يُستخدم لبنان كورقة ضغط عند الحاجة، ومنصة لإظهار حسن النية عند الضرورة. وكلما اشتد الضغط الدولي، عاد الحزب إلى قواعده الميدانية لتذكير الجميع بأن الأرض ليست بيد الدولة.

لودريان عائد

على صعيد الحركة الديبلوماسية، وفي وقت أفيد بأن المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي جان إيف لودريان سيزور لبنان الأسبوع المقبل، استقبل وزير الخارجية يوسف رجي وفد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي يرافقه سفير فرنسا هيرفيه ماغرو. وأطلع الوزير رجّي أعضاء الوفد على مستجدات الأوضاع في لبنان وجهود الحكومة لتحرير الأراضي التي تحتلها اسرائيل، وحصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ الاصلاحات الضرورية. كما تناول اللقاء قضية النزوح السوري ومسألة إعادة الإعمار، والتمديد لـ”اليونيفيل”.

وأكد الوزير رجّي أن “لبنان يعوّل كثيرا على دعم فرنسا والدول الصديقة له للضغط على اسرائيل من أجل الانسحاب من الأراضي التي تحتلها ووقف اعتداءاتها”. وشدد على “أهمية تغيير الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي مقاربتهما لملف النازحين السوريين والإقرار بضرورة بدء عودتهم الى بلدهم بعدما تغيّرت الظروف في سوريا”. في حين قال أعضاء الوفد البرلماني الفرنسي إن زيارتهم الى بيروت تأتي “لتأكيد وقوف فرنسا وبرلمانها الى جانب لبنان ودعم حكومته لتخطي الصعوبات الكبيرة التي يواجهها”.

وفد سوري سيزور بيروت

وسط هذه الأجواء، وفي وقت أعيد فتح معبر العريضة الحدودي بين لبنان وسوريا صباح امس، وبدأت حركة العبور بين البلدين، أفيد بأن وفداً وزارياً وأمنياً رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني سيزور لبنان نهاية الشهر الجاري، ومن المقرر أن يناقش الوفد مع الحكومة اللبنانية ملفات أمنية وحدودية واقتصادية، بالاضافة إلى ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

شارك المقال