اخلاء أميركي في الشرق الأوسط… “الحزب” يعتذر وكفى

لبنان الكبير / مانشيت

تُقرع طبول الخطر في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة لا تُخفي قلقها. إخلاء جزئي لسفارتها في بغداد، وسحب لعائلات جنودها من قواعد تنتشر بين الخليج والعراق، في إجراءٍ ليس روتينياً، بل أقرب إلى إعلان تعبئة أمنية صامتة، تنذر بأن المنطقة مقبلة على انفجار محتمل تتشابك فيه التهديدات النووية بالصواريخ الدقيقة، والمفاوضات المتعثرة بالرسائل النارية.

مصادر أميركية وعراقية متطابقة أكدت بدء التحضيرات للانسحاب من السفارة في العراق، في ظلّ مؤشرات أمنية متزايدة الخطورة، وسط صمت رسمي من واشنطن، وصعودٍ فوري في أسعار النفط. أما وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسِث، فأجاز مغادرة عائلات العسكريين من قواعد عدة، أبرزها في البحرين، التي تضمّ أكبر تجمّع سكني لعائلات الجنود الأميركيين في المنطقة.

التحركات الأميركية تأتي في ظلّ موقف متصلّب من الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران، بعد أن عبّر عن شكوكه بإمكان التوصل إلى اتفاق نووي جديد، في وقت هدّد وزير الدفاع الايراني عزيز نصير زادة باستهداف القواعد الأميركية في حال التعرض لأي هجوم.

وعلى الضفة المقابلة من الخليج، تحذر بريطانيا من خطر تصعيد بحري في مضيق هرمز وخليج عمان، وسط هشاشة التفاهمات الاقليمية وتآكل مظلة الردع.

لكن في لبنان، تبدو الصورة أكثر عبثية. فبينما تتهيأ المنطقة لعاصفة محتملة، يغرق الداخل في تناقضات لا تُطاق. فها هو القضاء اللبناني يُصدر توقيفاً غير مسبوق بحق وزير سابق، هو أمين سلام، بتهم اختلاس وتزوير واستغلال للسلطة، في خطوة قد تكون مؤشراً نادراً على تحرّك قضائي جاد. غير أن هذا المشهد لا يكتمل إلا بالمفارقة الأشد إيلاماً: في الجنوب، تُهاجَم دوريات “اليونيفيل”، وتُكسَّر آلياتها، ويُضرب جنودها، ولا أحد يُحاسب، فقط بيان اعتذار غامض باسم “البيئة”.

أمام هذه المفارقة، ينكشف الدور المزدوج لـ”حزب الله”: بين تأكيد التزامه بالقرار 1701 في العلن، والتغاضي عن مهاجمة القوات الدولية في الواقع، ثم لفلفة الأمور بـ”اعتذار”، لا طائل منه سوى إعادة تدوير الغضب في قالب ديبلوماسي. أما المعتدون، فلا أثر لهم، ولا توقيف، ولا محاسبة.

والمشهد لا يقف عند “اليونيفيل”. فالإعتداء على الشيخ ياسر عودة في الضاحية يُقابل بزيارة تعاطف من وفد علمائي، فيما الفاعلون مجهولون معلومون. لا مذكرات توقيف، ولا استدعاءات. الرسالة واضحة: الاعتداء مسموح، الاعتذار متاح، لكن العقاب ممنوع.

هكذا يُدار لبنان بين دولتين: واحدة تحاول أن تثبت وجودها بتوقيف وزير نافذ، وأخرى تفرض منطق القوة وتُفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها.

إخلاء واشنطن لقواعدها رسالة واضحة بأنها تتجه لحماية مصالحها في لحظة اضطراب كبرى. أما في لبنان، فالاكتفاء بالاعتذارات هو السقف الأعلى للمحاسبة… وكفى.

شارك المقال