وصل الموفد الأميركي توماس باراك إلى بيروت حاملاً ما وصفه بـ”ورقة فرص”، لكنها لم تخلُ من روح الضغط، وإن غلفها بخطاب ديبلوماسي ناعم يترك للبنانيين مسؤولية اتخاذ القرار الأصعب: مصير سلاح “حزب الله”.
الزيارة التي جاءت بعد أسابيع من التصعيد الاسرائيلي على جبهة الجنوب، وضعت الدولة اللبنانية أمام اختبار مصيري: هل تعيد الإمساك بقرارها السيادي عبر تفاهم داخلي واضح، أم تبقى رهينة لعبة الاقليم التي لا تنتظر أحداً؟
لكن خلف ابتسامات باراك وحديثه عن “الفرص”، بقيت الحقائق أكثر تعقيداً. فالرد اللبناني الذي أبدى باراك رضاه عنه، لم يُنجز إلا في اللحظات الأخيرة، عبر تواصل مكثف بين الرئاسات الثلاث و”حزب الله”. ووفق المعطيات، أعطى هذا الرد إسرائيل منطقة عازلة في الجنوب، مع التشديد على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، من دون الدخول في تفاصيل نزع سلاح الحزب أو توقيت ذلك.
واشنطن: الحل بيدكم لا بأيدينا
باراك، بعيداً عن العبارات الديبلوماسية التقليدية، قالها من بعبدا بوضوح: “نحن لا نملي عليكم شيئاً، القرار قراركم، ونحن فقط سنساعد”.
الرسالة واضحة: واشنطن لن تدخل في مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، لكنها لن تمنح لبنان أيضاً غطاءً مجانياً إذا اختار التمسك بسلاحه خارج إطار الدولة.
رد لبناني متوازن.. لكنه ناقص
الورقة اللبنانية التي حملها الرئيس جوزاف عون بدت متوازنة في شكلها، لكنها تهرّبت من الاجابة عن جوهر المسألة: مصير سلاح “حزب الله”.
فاكتفت الورقة بالتشديد على ضرورة تطبيق القرار 1701، والمطالبة بانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس المحتلة، لكنها لم تلتزم بخريطة طريق واضحة لنزع السلاح أو جدول زمني لمعالجته.
أما “حزب الله”، فموقفه بقي على حاله: لا نقاش في السلاح قبل وقف الاعتداءات الاسرائيلية وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
لكن هذه المعادلة، وفق نظرة واشنطن، باتت عبئاً على لبنان ككل، ولم تعد تقنع أحداً في الخارج، الذي يرى أن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم لا تملك سيادة حقيقية.
الانقسام الداخلي يعوق القرار
في الداخل، لا يزال المشهد مشلولاً بين من يدعو إلى حوار داخلي (كالرئيس نبيه بري و”التيار الوطني الحر”) ومن يطالب بموقف دستوري واضح من مجلس الوزراء (كما يصرّ رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، الذي اعتبر أن الرد غير دستوري وغير قانوني).
ماذا ينتظر لبنان؟
باراك غادر بيروت راضياً عن الرد اللبناني “المدروس”، لكنه أوضح أن الرد يحتاج إلى مزيد من التمحيص، وأنه سيعود خلال أسبوعين لمتابعة التنفيذ. لكن إذا لم تترجم الكلمات إلى أفعال، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل معها ضغوطاً أميركية وإسرائيلية متزايدة.
لبنان أمام فرصة قد لا تتكرر: إما أن يستعيد قراره السيادي عبر تفاهم داخلي حول السلاح، أو يظل رهينة سلاح خارج الدولة، في انتظار تصعيد إسرائيلي لا يرحم، أو عزلة دولية تتزايد يوماً بعد يوم.
القرار اليوم لم يعد في واشنطن أو تل أبيب… بل في بيروت نفسها.


