لم تكن حادثة اعتراض دورية “اليونيفيل” في بلدة عيتيت مجرد إشكال ميداني عابر، بل هي حلقة جديدة في مسلسل الإرباك الذي تتعرض له القوات الدولية منذ سنوات في الجنوب اللبناني. مرة أخرى، تحت ستار “الأهالي”، يُمنع جنود الأمم المتحدة من أداء مهمتهم في تطبيق القرار 1701، وسط اتهامات متجددة بأن هذه “التحركات الشعبية” ليست سوى غطاء لتحركات سياسية وعسكرية هدفها الحد من حرية تحرك “اليونيفيل”، وتكريس واقع ميداني مغاير لما ينص عليه القانون الدولي.
الحادثة، التي استخدمت خلالها “اليونيفيل” القنابل الدخانية لتفريق المعتدين، تأتي في وقت تصعد إسرائيل ضرباتها على ما تسميه “بنى تحتية إرهابية”، مستهدفة منازل، مقار ومبانٍ مدنية تقول إنها تُستخدم كمراكز قيادة ميدانية للحزب. آخر هذه الغارات طال بلدة المنصوري وأدى إلى مقتل مدني وجرح اثنين.
لكن في الداخل اللبناني، الأزمة لا تقتصر على العمليات الميدانية. فرئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي رفع الصوت خلال لقائه وفد الاتحاد الأوروبي، حاول أن يدق ناقوس الخطر أمام الحاضرين: الجيش اللبناني يقف اليوم على خط النار، وفي غياب دعم دولي حقيقي وفعّال، فإن الفراغ الأمني سيصبح أمراً واقعاً لا مفر منه. ودعا الأوروبيين إلى مبادرة متكاملة لا تقتصر على المساعدات العسكرية، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الاقتصاد اللبناني المنهار، ورفع العقوبات التي تزيد الخناق على لبنان، مشدداً على أن استمرار ترك لبنان وحيداً في هذه المرحلة الحساسة يعني ترك المنطقة كلها في مهب الفوضى.
الأزمة الأمنية تتقاطع مع أزمات أخرى لا تقل خطورة، أبرزها ملف النازحين السوريين، الذي طرحه عون بوضوح أمام الأوروبيين، مطالباً ببدء العودة التدريجية والآمنة إلى سوريا، لأن لبنان، كما قال، لم يعد قادراً على تحمّل هذا العبء الاقتصادي والاجتماعي والأمني. الأوروبيون من جهتهم أكدوا تفهمهم لمخاوف لبنان، وأعلنوا عن رصد عشرات ملايين اليوروهات لدعم العودة الطوعية للنازحين، وكذلك لدعم المناطق السورية التي يعودون إليها.
لكن كل هذه الوعود الأوروبية لا تلغي حقيقة أن الجنوب اللبناني اليوم يتحول تدريجياً إلى ساحة اختبار جديدة بين إسرائيل و”حزب الله”، وسط تراجع واضح لدور الدولة، وتزايد المخاوف من أن تصبح الاعتداءات على “اليونيفيل” باباً لتوسيع هوة الخلاف بين لبنان والمجتمع الدولي، الذي يطالب بتطبيق القرار 1701 بحذافيره، بينما ترفض قوى الأمر الواقع في الجنوب أي مسٍ بسيطرتها الأمنية والميدانية.
المشكلة الأخطر أن بعض القوى اللبنانية يواصل التعامل مع حوادث الاعتداء على “اليونيفيل” وكأنها “إشكالات محلية بسيطة”، في حين أن هذه الاعتداءات تُسجل في تقارير مجلس الأمن، وتستخدم لاحقاً كورقة ضغط على لبنان، إما لزيادة العقوبات أو لتبرير تدخلات دولية أوسع في شؤونه.
أما الجيش اللبناني، الذي يجد نفسه في قلب هذه المواجهة المفتوحة، فيعاني من نقص مزمن في العتاد والدعم اللوجيستي، ما يجعله عاجزاً عن فرض سيطرته الكاملة على مناطق الجنوب، ويضعه في موقف حرج بين متطلبات القرار الدولي، وضغوط القوى المحلية.
في هذا المشهد المأزوم، يقف لبنان أمام استحقاقات كبرى: هل ينجح في إعادة فرض سلطة الدولة في الجنوب عبر دعم دولي فعّال؟ أم يستمر في لعبة توازنات داخلية هشّة، تكرّس واقع الأمر الواقع وتبقي القرار الأمني والعسكري خارج مؤسسات الدولة؟


