ارتفع التصعيد مجدداً على الجبهة الجنوبية على وقع تكرار اسرائيل تهديداتها بـ “إعادة لبنان إلى العصر الحجري” وقلق فرنسي بالغ من الوضع على الخط الأزرق، بالتزامن مع توقع الاستخبارات الأميركية حصول مواجهة واسعة النطاق بين إسرائيل و”حزب الله” قد تندلع في الأسابيع القليلة المقبلة، وتجديد السفارات تحذيراتها لرعاياها في لبنان، ودعوتهم الى المغادرة تخوفاً من تطور الأوضاع على الجبهة الجنوبية، في وقت تسعى الديبلوماسية اللبنانية في بروكسل الى خفض التصعيد وتجنّب حرب.
الميدان
بعد تراجع المواجهات في الأيام الأخيرة، عاد التصعيد إلى جبهة الجنوب مجدداً، عبر استهداف مناطق في عمق الجنوب والبقاع الغربي للمرة الأولى، بحيث شن الطيران الحربي الاسرائيلي قرابة الواحدة الا ثلثاً من بعد ظهر أمس غارة عنيفة استهدفت منزلاً في بلدة عيترون ودمرته بالكامل، وغارة أخرى على بلدة حولا. واستهدف لاحقاً دراجة نارية في بلدة سحمر في البقاع الغربي ما تسبب في سقوط قتيل، كما خرق جدار الصوت وعلى دفعتين أجواء منطقتي النبطية واقليم التفاح وعلى علو منخفض محدثاً دوياً قوياً.
وكان الجنوب شهد تصعيداً في القصف الاسرائيلي، خلال ساعات الليل، وسُجّل استهداف هو الأول من نوعه منذ أسابيع في مدينة النبطية، حيث شنّ الطيران قبيل منتصف ليل الأربعاء – الخميس، غارة جوية مستهدفاً مبنى مؤلفاً من طبقتين في حي المشاع، ودمّره بالكامل، ما أدى إلى إصابة أكثر من 20 شخصاً، وإلحاق أضرار بعشرات المنازل والسيارات.
وأعلن “حزب الله” مساء قصف القاعدة الأساسية للدفاع الجوي الصاروخي التابع لقيادة المنطقة الشمالية في ثكنة بيريا بعشرات صواريخ الكاتيوشا، رداً على الاعتداءات لا سيما في النبطية. وفي وقت سابق، أعلن عن تنفيذ هجوم جوي بمُسيرات انقضاضية على موقع الناقورة البحري، ما أدى إلى اشتعال النيران فيه.
الاستخبارات الاميركية تتوقع حرباً
وفيما نقلت “بوليتيكو” عن الاستخبارات الأميركية أن مواجهة واسعة النطاق بين إسرائيل و”حزب الله” من المحتمل أن تندلع في الأسابيع القليلة المقبلة، إذا فشلت جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، أكد وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت أنّ الدولة العبرية لا تريد حرباً مع “حزب الله”، لكنّها قادرة على إعادة لبنان “إلى العصر الحجري” إذا لزم الأمر. وقال غالانت في نهاية زيارة استمرّت عدّة أيام إلى واشنطن: “ان حزب الله يدرك جيّداً أنّنا قادرون على إلحاق أضرار جسيمة بلبنان إذا اندلعت حرب”.
أضاف: “لدينا الامكانية لإعادة لبنان إلى العصر الحجري لكننا لا نريد القيام بذلك”. وأكد أنّ الحكومة الاسرائيلية “تستعدّ لكلّ السيناريوهات”.
في المقابل، قال معاون رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله”، النائب السابق عبد الله قصير: “العدو لا يفضل توسعة الحرب مع حزب الله، لأنه عاجز عن معرفة إلى أي مدى سيكون الثمن باهظاً في أي معركة مفتوحة، ولأن أسياده الأميركيين ينصحونه بعدم الذهاب في هذا الاتجاه الخاطئ، ولذلك هم دائماً يرددون، على الرغم من التهديدات التي يطلقونها، أنهم يفضلون الحل الديبلوماسي مع الجبهة في جنوب لبنان”. ولفت إلى أن “العدو بدأ يعترف، اليوم، بأنه لم يستطع أن ينال من عزيمة هذه المقاومة وقوتها وأهلها وبيئتها التي تؤمن بأن هذه القضية هي قضية حق في مواجهة الباطل”.
وشدد على “أننا كمقاومة جاهزون للدفاع عن أهلنا وعن شعبنا وعن وطننا، ويعرف العدو قبل غيره أن هذه المقاومة ستُنزل به خسارة كبيرة جداً، وسترغمه على دفع أثمان باهظة جداً قد لا يتخيلها البعض الآن، لذلك فإن جهوزية المقاومة هي بحد ذاتها تمثل ردعاً حقيقياً للعدو من أن يفكر في توسعة العدوان أو في شن حرب واسعة على لبنان”.
السفارات تحذر رعاياها
الأجواء التصعيدية دفعت بعدد من السفارات في بيروت، وأبرزها الولايات المتحدة الأميركية، إلى تحذير مواطنيها من عدم السفر إلى لبنان، بسبب الوضع الأمنيّ الخطير.
وأوصت روسيا رعاياها مجدداً بالامتناع عن السفر إلى لبنان حتى تهدأ الأوضاع في الجنوب.
وسبق أن دعت دول عربية وغربية مواطنيها إلى مغادرة لبنان وتجنب السفر إليه، كما اتخذ بعض الدول استعدادات لاجراءات إجلاء طارئة للمواطنين من لبنان، ومن بين هذه الدول كندا، ألمانيا، الكويت والأردن.
فرنسا قلقة
إلى ذلك، أعربت فرنسا عن “قلقها الشديد حيال خطورة الوضع في لبنان”، لافتةً إلى تصاعد أعمال العنف على الحدود مع إسرائيل “في شكل دراماتيكي”. ودعت “جميع الأطراف إلى أكبر قدر من ضبط النفس”.
وقال مساعد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية كريستوف لوموان إن فرنسا التي تطلب “تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، تبقى ملتزمة تماماً الحؤول دون أي خطر تصعيد على الخط الأزرق والتوصل إلى حل ديبلوماسي”.
حراك ديبلوماسي لبناني
وسط هذه الأجواء، أجرى وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال، عبد الله بو حبيب، في بروكسل، مباحثات مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، في إطار جولة تأتي في سياق متابعة مساعي لبنان إلى خفض التصعيد، وتجنب حرب واسعة في الجنوب تنذر بحرب إقليمية مفتوحة. والتقى بو حبيب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن جوزيب بوريل؛ وبحثا الوضع في لبنان والمنطقة والنظر في إمكان إسهام الاتحاد الأوروبي في تخفيف التصعيد والتوتر في جنوب لبنان.
كما اجتمع بو حبيب، في مقر الاتحاد الأوروبي، مع سفراء الاتحاد للدول الـ27 في اللجنة السياسية والأمنية، وتم التداول في الأوضاع الراهنة وسبل دعم لبنان والجيش، والمبادرات الديبلوماسية القائمة ضمن إطار الحل السياسي وخفض التصعيد.


