بعد أيام من التصعيد الكلامي وصل إلى حد التهديد بإعادة لبنان إلى “العصر الحجري”، تغيرت النبرة الاسرائيلية أمس، بما يبدو أنه جنوح نحو إنجاز تسوية سياسية تنهي الحرب على الخط الأزرق، الأمر الذي يثير الجدل داخل الحكومة في تل أبيب، وسط حديث الاعلام الاسرائيلي عن عدم واقعية توسيع الحرب على “حزب الله”، إن كان بسبب غياب قدرة إجلاء المستوطنين أو بسبب تعرض الجيش للإنهاك في حرب غزة، وتزامنت هذه المعطيات مع تراجع القصف المتبادل في الميدان.
في ألمانيا، أصدرت المحكمة الاقليمية العليا في هامبورغ حكماً غير مسبوق على عنصرين من “حزب الله” وأدانتهما بالانتماء الى تنظيم إرهابي، وقضت بسجنهما بين 3 و5 سنوات، وذلك استناداً الى تصنيف الحزب إرهابياً في البلاد عام 2020. ويأتي الحكم في وقت تشدد فيه الحكومة الألمانية من قوانينها لمواجهة ما تقول إنه “تمجيد الارهاب المتصاعد منذ عملية حماس في 7 تشرين الأول”.
الميدان
ميدانياً، تراجعت حدة المواجهات أمس بعدما كانت اشتدت الخميس، ونعى “حزب الله” 4 عناصر، نتيجة القصف الاسرائيلي، أحدهم في غارة على بلدة سحمر بالبقاع الغربي. وأعلن أمس الجمعة استهدافه “الأجهزة التجسسية في موقع بركة ريشا وتجمعاً لجنود إسرائيليين في محيط مثلث الطيحات”، بعدما كان قصف مساء الخميس “القاعدة الأساسية للدفاع الجوي الصاروخي التابع لقيادة المنطقة الشمالية في ثكنة بيريا بعشرات صواريخ الكاتيوشا”، ردّاً على غارتين إسرائيليّتين أدّت إحداهما إلى مقتل أحد عناصره، وإثر هذا القصف قال الجيش الإسرائيلي إنّه رصد “إطلاق نحو 35 قذيفة صاروخية من لبنان، حيث اعترضت الدفاعات الجوية معظمها من دون وقوع إصابات”.
وفي بيانه، قال الحزب إنّه نفّذ هذا القصف ردّاً على “اعتداءات العدو التي طالت مدينة النبطية وبلدة سُحمر”، وذلك غداة غارة استهدفت مبنى في مدينة النبطية، وأدّت الى إصابة 20 شخصاً بجروح، فيما أعلن “حزب الله” مقتل أحد عناصره في سُحمر، بعد استهدافه على دراجته النارية.
وأعلن الجيش الاسرائيلي أنّه تمّ الخميس “رصد إطلاق مسيّرتيْن لحزب الله سقطتا في منطقة رأس الناقورة من دون وقوع إصابات”.
وسجّل الجمعة قصف متقطع على بلدات عدة في جنوب لبنان، حيث عاد الجيش الاسرائيلي ليستهدف المباني والمنازل، وسجّل في اليومين الأخيرين سقوط إصابات بين المدنيين.
وشن الطيران الحربي غارة على بلدة كفركلا أدت إلى تدمير مبنى مؤلف من 3 طبقات وسوّته بالأرض، وأخرى استهدفت منزلاً في بلدة شيحين قضاء صور، حيث تحركت سيارات الاسعاف على الفور نحو المكان المستهدف، ولم يعلن عن سقوط إصابات.
وألقت مسيّرة إسرائيلية قنابل حارقة في مشروع “عرب الثمار” الزراعي خلف الوزاني، ما أدى إلى اشتعال النيران فيه.
ومساء، أعلن الحزب عن هجوم جوي بسرب من المسيّرات الانقضاضيّة على المقر المستحدث لقيادة كتيبة المدفعية 411 في جعتون، حيث استهدفت خيم استقرار ومبيت ضبّاطها وجنودها، وكذلك عن استهداف ثكنة بيت هلل بعشرات صواريخ الكاتويشا.
قلق فرنسي وتراجع إسرائيلي
وسط هذه الأجواء، أكد مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة، أن “الوضع سيئ على حدود لبنان”، وقال في حديث صحافي: “لسنا بعيدين عن حرب واسعة في لبنان”. وحذر من أن “الحرب بين إسرائيل ولبنان قد تتوسع إقليمياً”.
إلا أن وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت تراجع عن تهديداته، إذ نقلت إذاعة الجيش الاسرائيلي عنه من الحدود الشمالية، قوله: “إذا اختار العدو التسوية فسنتعامل مع ذلك بجدية”. وشدد على “أننا لا نبحث عن الحرب لكننا مستعدون لها”.”.
وكانت هيئة البث الاسرائيلية نقلت عن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو، قوله: “إذا توصلنا الى اتفاق يسمح بعودة سكان الشمال الى منازلهم فيمكننا التوصل الى تسوية”.
ونقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” الخميس عن مراقب الدولة في إسرائيل، متنياهو أنجلمان، قوله في رسالة لنتنياهو، إن “إسرائيل ليست مستعدة للحرب في الشمال”.
وذكر أن “لا مجال لحالة عدم التوافق التي استمرت فترة طويلة وهناك حاجة الى عمل موحد ومنظم”، مشيراً الى أن “وزيري الدفاع والداخلية يتجادلان ولسنا مستعدين لاجلاء السكان في حال نشوب حرب”.
إلى ذلك، أفادت صحيفة “معاريف” عن “حالة إرهاق جسدي وتعب نفسي بين العديد من الجنود الاسرائيليين بسبب الحرب في غزة”. وأوضحت أن “ضابطاً بارزاً أبلغ قيادة الجيش بضرورة التخلي عن شعار عمليات بأي ثمن وأن الجيش غير جاهز لحرب طويلة بالشمال”.
وأثارت تصريحات غالانت حول رغبة بلاده في اتفاق مع “حزب الله” خلافات بالرأي خلال اجتماع المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية “الكابينت”.
وقال غالانت خلال اجتماع “الكابينت” مساء الخميس، إنه أخبر المسؤولين الأميركيين خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، التي اختتمها الأربعاء، أن إسرائيل لا تريد حرباً في لبنان، وأنها تقبل باتفاق يُبقي “حزب الله” بعيداً عن الحدود.
وأعرب وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير عن رفضه لتصريحات غالانت، وقال خلال الاجتماع، إنه لا يمكن تحقيق الأمن لإسرائيل في الشمال من دون الحرب.
وتساءل مستنكراً: “ألم نتعلم درساً من 20 عاماً من الاتفاقات (مع لبنان)؟ سنبرم اتفاقاً، وبعد ذلك في غضون عام أو عامين سيغتصبون زوجاتنا ويقتلون أطفالنا” على حد زعمه.
وعندها تدخل وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر المقرب من نتنياهو، قائلاً: “لكن حتى لو انتصرنا في الحرب، فسنبرم اتفاقاً (مع لبنان). ألا تعتقد ذلك يا معالي الوزير بن غفير؟”. فرد عليه بن غفير: “سنفوز (في الحرب على لبنان)، وبعد ذلك لن يكون هناك من نقوم بالاتفاق معه، وهذا أمر جيد”، في إشارة إلى القضاء على “حزب الله”.
أما نتنياهو فقال: “إذا عاد السكان إلى الشمال، فيمكن التوصل إلى اتفاق” مع لبنان.
حكم ألماني غير مسبوق ضد الحزب
وفيما تتخوف أوروبا من توسع الحرب، أصدرت المحكمة الاقليمية العليا في هامبورغ حكماً غير مسبوق على عنصرين من “حزب الله” وأدانتهما بالانتماء الى تنظيم إرهابي، استناداً الى تصنيف الحزب إرهابياً في ألمانيا عام 2020.
وحكمت المحكمة بالسجن 5 سنوات ونصف السنة على المتهم الأول، و3 سنوات على المتهم الثاني، وهو ما كان طلبه الادعاء العام.
وقالت القاضية التي تلت الحكم إن المتهمين حسن محسن البالغ من العمر 50 عاماً المولود في طير حرفا بلبنان، وعبد اللطيف وهبي البالغ من العمر 56 عاماً المولود في قرية حاروف، كانا عضوين فاعلين في “حزب الله” منذ سنوات.
وتحدثت عن أدلة تثبت ارتباطهما بالحزب كان قدمها الادعاء، من بينها صور لهما يرتديان اللباس العسكري التابع لـ”حزب الله” في مدينة القصير بسوريا عام 2015 و2016، مشيرة الى أن من بين الأدلة الأخرى أشرطة فيديو تظهر أحدهما وهو يمتدح حسن نصر الله زعيم “حزب الله”.
ويأتي الحكم في وقت تشدد فيه الحكومة الألمانية من قوانينها لمواجهة ما تقول إنه “تمجيد الإرهاب المتصاعد منذ عملية 7 تشرين الأول”.


