فيما يتابع اللبنانيون الأحداث في الجنوب ويعيشون هاجس توسعها أكثر، بثت المملكة العربية السعودية بعضاً من الطمأنينة في نفوسهم، بتأكيدها الاستمرار بالتضامن مع لبنان، انطلاقاً من “واجب الأخوة”، بحيث شهد السراي الحكومي توقيع مذكرة تعاون مشترك بين مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الانسانية والهيئة العليا للإغاثة في لبنان، تتضمن إطلاق ٢٨ مشروعاً تنموياً على الأراضي اللبنانية كافة.
وتتصاعد التهديدات باشتعال حرب إقليمية، إن توسعت الحرب لتطال لبنان، وأبرزها كان أمس من مستشار المرشد الايراني كمال خرازي الذي أكد تدخل بلاده في حرب كهذه، لتتحرك على وقعها الديبلوماسية الأميركية والأوروبية، بحيث يحط المستشار الأميركي آموس هوكشتاين في باريس اليوم، ويلتقي المبعوث الفرنسي الخاص جان ايف لودريان، ومن غير المرجح أن يكون اللقاء يتعلق بالملف الرئاسي المجمّد وسط حرب بيانات بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” بل على الأرجح متعلق بوقف التصعيد على الحدود لتجنب الحرب الشاملة.
وسط هذه الأجواء لا يزال الميدان على حاله التصعيدي، وقد أغار الطيران الحربي الاسرائيلي على أطراف بلدتي البستان والزلوطية في القطاع الغربي ما تسبب في سقوط قتيل مدني. وخرق الطيران الحربي صباحاً جدار الصوت على دفعتين في أجواء منطقتي النبطية واقليم التفاح وعلى علو منخفض محدثاً دوياً قوياً، وكذلك خرق جدار الصوت في جزين والشوف ومرجعيون.
في المقابل، أعلن “حزب الله” إطلاق عشرات الصواريخ على ثكنة كريات شمونة في إطار الرد على غارة الزلوطية.
إيران تهدد
وفيما نقلت صحيفة “بيلد” الألمانية عن مسؤولين غربيين قولهم إن إسرائيل قد تشنّ عملية في جنوب لبنان في الأسبوع الثالث أو الرابع من تموز الجاري، أعلن مستشار المرشد الايراني كمال خرازي أن بلاده ستبذل قصارى جهدها لدعم “حزب الله” إذا شنت إسرائيل حرباً واسعة النطاق ضد لبنان، محذراً من أن الحرب ستوسع الى المنطقة بأكملها، وستشارك فيها جميع الدول، بما في ذلك إيران.
ويأتي الموقف الايراني في موازاة تهديدات إسرائيل بتوسعة الحرب، واستعدادات جيشها في الشمال لحرب واسعة في لبنان، وأكد التصميم على “مواصلة القتال حتى تحقيق أهداف الحرب المتمثلة في تدمير القدرات العسكرية والحكومية لحماس وعودة المختطفين والعودة الآمنة للسكان في الشمال والجنوب إلى منازلهم”، مشدداً على أنه يعزز الاستعدادات للحرب في الجبهة الشمالية ضد “حزب الله”.
إلا أن تقديرات الجيش هذه تشوّش عليها تسريبات أخرى توحي بأن الجيش لا يميل في الوقت الحاضر إلى حرب واسعة، وهو ما يُفهم مما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، وجاء فيه إن الجنرالات الاسرائيليين “يعتقدون أن قواتهم، التي قالوا إنها تعاني نقص المعدات لمواصلة القتال بعد أطول حرب خاضتها إسرائيل منذ عقود، تحتاج إلى الوقت للتعافي استعداداً لاحتمال نشوب حرب ضد حزب الله”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمنيين تحدثوا اليها قولهم إن “الهدنة مع حماس قد تسهل أيضاً التوصل إلى اتفاق مع حزب الله”، مشيرة الى أنهم “يعتقدون أيضاً أن التوقف في غزة يمنحنا المزيد من الوقت للاستعداد في حالة اندلاع حرب أكبر مع حزب الله”.
ورد رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو على ما ورد في الصحيفة، مؤكداً أن الحرب ستتواصل في قطاع غزة حتى تحقيق جميع أهدافها بما في ذلك القضاء على حركة “حماس” وعودة الرهائن.
هوكشتاين يلتقي لودريان
وسط هذه الأجواء، يلتقي هوكشتاين اليوم في باريس لودريان لاجراء مباحثات جديدة حول لبنان، حسبما قالت عدة مصادر مطّلعة لوكالة “فرانس برس”.
وأوضحت مصادر مقرّبة من لودريان أنه “سيجتمع مجدداً بآموس هوكشتاين كما يفعل بانتظام”.
في حين أفادت مصادر بأن هوكشتاين سيلتقي كذلك مستشاراً في الخلية الديبلوماسية في قصر الإليزيه، وهي خلية نشطة منذ أشهر مع وزارة الخارجية للعمل على تجنب حصول تصعيد على الحدود اللبنانية الاسرائيلية.
دعم سعودي للبنان
وفي أكبر دلالة على اهتمام المملكة العربية السعودية بلبنان، وقعت في السراي الحكومي أمس، مذكرة تعاون مشترك بين مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الانسانية والهيئة العليا للإغاثة، تتضمن إطلاق ٢٨ مشروعاً تنموياً على الأراضي اللبنانية كافة، بحضور سفراء وشخصيات ديبلوماسية وممثلين عن الأجهزة الأمنية ومديرين عامين، وممثلين عن جمعيات تنموية لبنانية وعربية ودولية.
وأشار السفير السعودي وليد بخاري إلى أن هذا الدعمَ الذي تقدمُه المملكةُ يأتي “استمراراً لمسيرةِ التضامنِ التي تنتهِجُها المملكةُ تجاهَ الشعبِ اللبنانيِّ الشقيق، انطلاقاً مما يمليه علينا واجبُ الأخوّةِ العربيةِ الأصيلة وتعاليمِ الإسلامِ الحنيف”.
وأكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أن “العلاقة الأخوية المتينة التي تجمع بين لبنان والمملكة العربية السعودية الشقيقة، زادتها السنوات عمقاً ورسوخاً وكانت فيها المملكة الى جانب لبنان دائماً، السند والعضد في الملمات، وصمام الأمان الذي حفظ وحدة اللبنانيين، الى أي طائفة أو مذهب أو فريق سياسي انتموا”.
وشدد على أن “تلك الثوابت الأساسية، ترجمتها المملكة العربية السعودية الشقيقة وقائع وأفعالاً، من خلال اتفاق الطائف، الذي نتمسك بتنفيذه كاملاً والذي لا يزال يُشكّل الاطار المناسب لادارة شؤون البلاد. وفي كل اللقاءات التي عقدتها مع سمو ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان عبّر عن دعمه للبنان للخروج من أزمته، ودعم مؤسساته، ولكن شرط تنفيذ الاصلاحات البنيوية المطلوبة، وقيام المؤسسات اللبنانية بدورها الكامل، لا سيما لجهة انتخاب رئيس جديد للبنان. وهذه المسؤولية تقع علينا حكماً نحن اللبنانيين، والمطلوب منا أولاً وأخيراً أن نقوم بواجباتنا بدعم من الدول الصديقة وفي مقدمها المملكة العربية السعودية”.
“التيار” – “القوات”
ولا يبدو أن كلام ميقاتي عن المسؤولية بانتخاب رئيس للجمهورية يلقى آذاناً صاغية، بحيث اشتعلت حرب بيانات بين “القوات” و”التيار الوطني الحر”، على خلفية المواقف الأخيرة لرئيس “التيار” النائب جبران باسيل التي اتهم فيها “القوات” برفض أي حوارات. وردت الدائرة الاعلامية في حزب “القوات” في بيان أشارت فيه الى أن “القوات اللبنانية موجودة في صميم تحالف معارض يضمّ مسيحيّين ومسلمين، وتتحاور مع معظم الكتل النيابيّة، وأيّدت مبادرة كتلة الاعتدال الرئاسيّة، وساهمت في إنضاج التمديد العسكري، وتجري مشاورات على أوسع نطاق إلى درجة التقاطع مع باسيل نفسه رئاسيّاً، ولكنّها رفضت وترفض تعميق التشاور معه بسبب التجربة المرّة التي أظهرت أنّ هذا الفريق لا يتغيّر وأنّه من العقم مواصلة المحاولات التي لا تؤدّي إلا إلى نتائج سلبيّة”.
ورد “التيار” على الرد في بيان قال فيه: “من الواضح لجميع اللبنانيين أن التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، يشكلان الهاجس اليومي لرئيس القوات سمير جعجع، الذي يبدو قلِقاً ومهجوساً مما لا يمتلكه ولا يستطيع القيام به لجهة السياسة والديناميكية التي يقوم بها التيار ورئيسه. إن من استفاق متأخراً، كالعادة، بعد ثلاثة عشر عاماً على مخاطر النزوح السوري، وأراد استلحاق نفسه أمام الرأي العام، ومن هاجم الأجهزة الأمنية لمحاولة تطبيقها القانون على النازحين، ومن استهدف التيار الوطني الحر لأنه رأس حربة في مواجهة معضلة النزوح، هو من يجب أن يصمت، وطويلاً جداً، رأفة بناسه ومجتمعه”.


