10 أشهر من حرب مستمرة وحمام دم في كل من غزة وجنوب لبنان، إستطاعت فيها الديبلوماسية السياسية أن تلعب دوراً بارزاً في عدم إشعال حرب إقليمية دولية، بينما كان الخوف من “زحطة” لـ “حزب الله” تغيّر المعادلة في أقل من 24 ساعة. صحيح أن الحزب نفى نفياً قاطعاً مسؤوليته عن اطلاق الصاروخ على قرية مجدل شمس الدرزية في مرتفعات الجولان المحتلة يوم السبت الماضي، والذي أوقع أكبر عدد من القتلى سواء في إسرائيل أو في الأراضي التي ضمتها إليها منذ هجوم السابع من تشرين الأول الماضي، كما نفت “الجماعة الاسلامية” مسؤوليتها عنه، ولكن من الواضح أن التخوف من هذه الضربة لا يزال حتى اللحظة موضع أخذ وردّ، ما جعل رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يقطع زيارته إلى واشنطن سريعاً ليترأس إجتماعياً حربياً داخلياً بهدف اعطاء الضوء الأخضر لبدء الحرب، على الرغم من الجهود والمساعي الأوروبية لاحتوائها. وفيما واصل الطيران الحربي تحليقه المكثف فوق مختلف الأراضي اللبنانية، أعلن مسؤولون إسرائيليون أن الردّ والقتال في وجه “حزب الله” وفق التوقعات سيستمر لأيام كثيرة، أما السيناريو الأسوأ فيتمثل في ضربة موسعة لأهداف تابعة للحزب، ما يستدعي الدخول البري الى عمق لبنان.
وبعد عودته من الولايات المتحدة، أكد نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه أن “إسرائيل لن تدع هذا الهجوم الوحشي يمر من دون رد، وحزب الله سيدفع ثمناً باهظاً لم يسبق أن دفعه من قبل”.
البيت الأبيض يتهم “حزب الله”
وفي ضوء الاتصالات القائمة، أكد البيت الأبيض أمس أن “حزب الله” شن الهجوم “المروع” السبت والذي أسفر عن مقتل 12 شخصاً تراوح أعمارهم بين 10 و16 عاماً.
وقالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أدريين واتسون في بيان إن “هذا الاعتداء ارتكبه حزب الله. إن الصاروخ عائد اليهم وقد أطلق من منطقة يسيطرون عليها”.
وأعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان أن الرئيس إيمانويل ماكرون تحدث الى نتنياهو في إطار سعي باريس المتواصل الى منع أي تصعيد أوسع بين إسرائيل و”حزب الله”.
وذكرّ ماكرون رئيس الوزراء الاسرائيلي بأن فرنسا ملتزمة تماماً ببذل “كل ما في وسعها من جهد لتجنب تصعيد جديد في المنطقة من خلال نقل رسائل إلى جميع الأطراف المشاركة في الصراع”.
وعبّرت بريطانيا عن قلقها إزاء تفاقم التصعيد، بينما حذرت مصر من أن الهجوم قد يؤدي إلى انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
الأردن يحذر من حرب إقليمية شاملة
وفي سياق متصل، حذر الأردن من خطر وقوع “حرب اقليمية شاملة” بعد الهجوم الدامي في مرتفعات الجولان المحتلة.
وحذرت وزارة الخارجية الأردنية في بيان “من التصعيد الخطير في جنوب لبنان، ومن تداعيات إشعال حرب جديدة ضد لبنان في ضوء التطورات الخطيرة التي شملت سقوط صاروخ على بلدة مجدل شمس السورية المحتلة، ذهب ضحيته عدد كبير من أهالي البلدة في الجولان السوري المحتل”، منبهة على أن “التصعيد في الجنوب اللبناني قد يدفع نحو توسع الحرب إلى حرب إقليمية شاملة”.
ونقل البيان عن الناطق الرسمي باسم الوزارة سفيان القضاة تأكيده “أهمية دعم لبنان وأمنه واستقراره وسلامة شعبه ومؤسساته”.
..وإيران تحذر إسرائيل من مجازفة
اما على الصعيد الايراني، فقد حذرت وزارة الخارجية إسرائيل من مغبة ما وصفته بأي مجازفة جديدة في لبنان.
وحمّلت وزارة الخارجية السورية إسرائيل “المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الخطير للوضع في المنطقة”، واصفة اتهاماتها لـ “حزب الله” بأنها “زائفة”.
صاروخ “فلق” واخلاء مواقع
وبالعودة الى الاتهامات الاسرائيلية، أعلنت وزارة الخارجية أن الهجوم نفّذ بواسطة صاروخ “فلق” البالغة زنة رأسه الحربي 53 كيلوغراماً، و”حزب الله” الذي قال إن “لا علاقة” له بالواقعة، هو الجهة الوحيدة التي بحوزتها هذا النوع من الصواريخ.
وأوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الاسرائيلية، أنه تم تحديد هدف الهجوم في لبنان، وبموافقة مجلس الوزراء، وبحسب التقييم: “هدف محدود ولكنه مهم”.
وقال كبير المراسلين العسكريين الاسرائيليين ألون بن دافيد: “الأهداف التي عرضها الجيش الاسرائيلي على المستوى السياسي للموافقة على استهدافها في لبنان رداً على حادثة مجدل شمس جميعها أهداف عسكرية”.
في المقابل، أخلى “حزب الله” مواقع له في جنوب لبنان وشرقه بعد تهديدات إسرائيلية بـ “رد قوي” على هجوم السبت.
وقال مصدر مقرّب من “حزب الله” لوكالة “فرانس برس” أمس: “أخلى الحزب مواقع له في الجنوب والبقاع يعتقد أنها قد تكون هدفاً طبيعياً لإسرائيل”.
وفي سوريا، أفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن مجموعات موالية لطهران “أخلت نقاطاً كانت تتمركز فيها في منطقة السيدة زينب في جنوب العاصمة دمشق”، ومناطق أخرى في مدينة القنيطرة الحدودية مع إسرائيل.
وأضاف المرصد: “تحسباً لأي ضربات جوية إسرائيلية محتملة على الأراضي السورية خلال الفترة المقبلة (…) عمدت المجموعات إلى محاولة التخفي” وإعادة تموضعها.
وكان الحزب أخلى بداية حزيران الماضي مواقع تابعة له بعد استهدافات إسرائيلية كثيفة له في سوريا، بحسب المرصد.
تأخير رحلات
وعلى وقع التصعيد المتزايد والخوف من أي ضربة لبيروت وضواحيها، أعلنت شركة “طيران الشرق الأوسط”، في بيان أمس، عن تأخير مواعيد بعض رحلاتها “لأسباب تقنية تتعلق بتوزيع المخاطر التأمينية على الطائرات بين لبنان والخارج”.
ميقاتي: لوقف شامل لإطلاق النار
الى ذلك، تابع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الأوضاع الطارئة في البلاد والمنطقة، وشدد خلال اتصالاته على أن “الحل يبقى في التوصل الى وقف شامل لاطلاق النار والتطبيق الكامل للقرار الدولي الرقم 1701، للتخلص من دورة العنف التي لا جدوى منها وعدم الانجرار الى التصعيد الذي يزيد الاوضاع تعقيداً ويؤدي الى ما لا تحمد عقباه”.
الراعي يدعو الى قرار شجاع
وبعيداً عن الميدان المشتعل، تمنى البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، في عظة الأحد، “لو أن السياسيين وأصحاب النفوذ المعرقلين انتخاب رئيس للجمهورية منذ سنة وثمانية أشهر، عادوا إلى أعماق نفوسهم، وأصغوا إلى صوت ضميرهم صوت الله في أعماقهم، لأدركوا خطأهم الجسيم وتابوا عنه، واتخذوا قراراً تاريخياً حراً، ولأنقذوا أنفسهم والبلاد”، معتبراً أن “مجتمعنا اللبناني بات يعيش في هيكلية خطيئة، لأن كل واحد يخطئ ولا يتوب عن خطيئته، ما جعل الخطيئة غير موجودة، أو خطيئة اجتماعية لا أحد مسؤول عنها”.
أضاف: “إننا ندعوهم واحداً واحداً إلى تحمل مسؤولية خراب البلد بمؤسساته الدستورية وبالميثاق، وبحالة الاقتصاد المنهار، وبازدياد الفقر وهجرة خيرة شبابنا، إننا ندعوهم إلى اتخاذ قرار شجاع مثل زكا، مدركين خطأهم الكبير بحق الشعب اللبناني الذي إئتمنهم على السلطة لخيره”.


