يفضل الاسرائيليون بنسبة كبيرة أن يقوم جيشهم بضربة إستباقية للرد الايراني، حتى أنهم منحوا رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو مكانة الصدارة للمشهد السياسي بسبب تشدده تجاه ايران و”حزب الله” و”حماس”. في المقابل نعيش نحن اللبنانيين على “إجر واحدة” بانتظار الرد المفترض على اغتيال اسماعيل هنية في طهران وفؤاد شكر في حارة حريك، باستنزاف منهك للأعصاب والعقل المشدود بين تحليلات لا تنتهي عن الرد الايراني وحجمه وهدفه.
وإلى حين موعد هذا الرد تستمر اسرائيل في التصعيد وتوسيع استهدافاتها على الخط الثاني من الحدود، بينما تلاحق مسيراتها عناصر الحزب أينما كانوا، بحيث وصلت حصيلة المقاتلين الذين اغتالتهم اسرائيل لـ “حزب الله” منذ أن هدد بالرد إلى 16، تتصيدهم المسيرات الاسرائيلية أحياناً مجموعة واحدة، وهو رقم كبير في فترة 10 أيام.
الميدان
ميدانياً، لاحقت مسيّرات إسرائيلية قيادياً في “حماس” يُدعى سامر الحاج وأصابت سيارته بصاروخين في مدينة صيدا، عاصمة الجنوب. وقُتل الحاج فيما أصيب مرافق كان معه في السيارة ونُقل إلى المستشفى.
إلى ذلك، تمضي إسرائيل في توسعة الرقعة الجغرافية للاستهدافات داخل العمق اللبناني، وتضم بلدات جديدة إلى بنك الأهداف، كان آخرها استهداف مبنى في منطقة حناويه الواقعة شرق مدينة صور فجر الجمعة، من غير أن تسفر الغارة عن أي خسائر بشرية. كما لاحقت المسيرات الاسرائيلية عنصرين لـ”حزب الله” في الناقورة، ما أدى إلى مقتلهما. وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة، في بيان أمس، أن الغارة التي نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية على بلدة الناقورة الجنوبية، “أدت إلى استشهاد شخصين”.
وأكد الجيش الاسرائيلي أن طائرات حربية هاجمت مقر قيادة لـ”حزب الله” في منطقة حناويه وبنية تحتية في منطقة عيتا الشعب بجنوب لبنان. كما هاجمت الطائرات منصة إطلاق استخدمها الحزب في منطقة عيتا الشعب، حيث أطلقت منها قذائف صاروخية الخميس، نحو منطقة بيرنيت في الجليل الأعلى.
وأطلقت القوات الاسرائيلية النار من الرشاشات الثقيلة باتجاه جبلي اللبونة والعلام وأطراف بلدة الناقورة في جنوب لبنان. وقصفت المدفعية قبلاً بلدة الخيام.
في المقابل، أعلن “حزب الله” أن عناصره استهدفوا الجمعة مقر قيادة اللواء 769 الاسرائيلي في ثكنة كريات شمونة بصواريخ “الكاتيوشا”، رداً على اعتداءات إسرائيل على بلدة حناويه الجنوبية، كما “شنوا هجوماً جوياً بسرب من المسيّرات الانقضاضية على مقر قيادة الكتيبة الساحلية التابع للواء الغربي المستحدث في ليمان”، واستهدفوا “أماكن تموضع وتمركز ضباطها وجنودها وأصابوا أهدافها بدقة وأوقعوا فيهم إصابات مؤكدة”، حسبما جاء في بيان للحزب.
كما أعلن في بيانات أخرى عن استهداف مبانٍ يستخدمها جنود إسرائيليون في كريات شمونة، ومقر قيادة اللواء 769 في ثكنة كريات شمونة بصواريخ “فلق” الثقيلة.
مسيرات بمكبرات صوت
وكان الجيش الاسرائيلي أطلق مسيرات بمكبرات صوتية تبث رسالة مكررة تحرض على “حزب الله” فوق بعض القرى الحدودية، وتزامن ذلك مع توجيه وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت رسالة تحريضية إلى “أهل لبنان” قال فيها: “أهل لبنان.. اتخذت إيران الشيعية وتوابعها وعلى رأسها حزب الله، لبنان وأهله رهائن في خدمة مصالحها الطائفية المذهبية الضيقة. تهدف دولة إسرائيل إلى السكون والازدهار والاستقرار على الحدود الشمالية من الجانبين وبالتالي لا تفسح بتاتاً المجال لميليشيا حزب الله لضعضعة الاستقرار على الحدود وفي المنطقة. إذا استمر حزب الله في عدوانه ستحاربه إسرائيل حرباً شديدة للغاية”.
وأضاف: “اذكروا ندامة حسن نصر الله على المغامرة الخطيرة غير المحسوبة التي خاضها في شهر يوليو (تموز) 2006، فاعتبروا لكي لا تخوضوا مغامرة من دون رؤية في أغسطس (آب) 2024”.
واختتم غالانت رسالته الى اللبنانيين بالقول: “من يلعب بالنار يبشر بالدمار”.
إيران وواجب الانتقام
على الصعيد الايراني، أكد قائد “قوة القدس” التابعة لـ”الحرس الثوري”، إسماعيل قاآني، أمس، أن “من واجب إيران الانتقام لهنية”. وقال في رسالة إلى رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” يحيى السنوار: “هنية من قادة المقاومة الاسلامية. شخصية وازنة، خلقت الوحدة، ومن واجبنا الانتقام لدمائه التي أريقت في حادث مرير في إيران”.
ونقلت وكالة “تسنيم” التابعة لـ”الحرس الثوري”، أن قاآني هنأ باختيار السنوار، وأبلغه في الرسالة أن “دماء هنية ستؤثر على العقوبة الشديدة التي ستتعرض لها” إسرائيل.
وأضاف قاآني: “باختيار قائد بمنطق مختلف، أثبتت حماس أنها تسلم الراية لمن له أكبر التأثير في الميدان”.
نتنياهو يتصدر المشهد
وعلى وقع أصداء قرع طبول الحرب، وفي وقت يتحدث فيه الاسرائيليون عن تمزق أعصابهم بانتظار تنفيذ التهديدات بهجوم من إيران و”حزب الله”، عاد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليتصدر وحزبه “الليكود” المشهد السياسي؛ إذ حصل في آخر استطلاع رأي على نسبة تأييد تعيد إليه مكانة الحزب الأكبر وأقوى المرشحين لتولي رئاسة الحكومة. فيما هبط بيني غانتس رئيس حزب “المعسكر الرسمي”، إلى المرتبة الثانية.
وأكد معدّو هذا الاستطلاع الأسبوعي (معهد لازار للبحوث برئاسة د. مناحم لازار وبمشاركة Panel4All)، الذي تنشره صحيفة “معاريف”، فكل يوم جمعة منذ سنتين، أن هذا الانقلاب ينبع في الغالب من الشعور بأن نتنياهو يستجيب لمشاعر الناس، في الرد الحازم على تهديدات إيران و”حزب الله” واختيار السنوار رئيساً لـ “حماس”.
ويستدل هذا من نتيجة أخرى للاستطلاع تبين أن نسبة عالية بين الجمهور ترى أن من الصواب أكثر حالياً لدولة إسرائيل في هذه النقطة الزمنية الخروج إلى هجوم استباقي على “حزب الله”؛ إذ قال 42 في المئة من الجمهور إنهم يفضلون هذا الهجوم مقابل 48 في المئة يرون أن من الأصوب التوجه إلى صفقة لاعادة المخطوفين. ومع أن نسبة المؤيدين للصفقة تزيد على نسبة مؤيدي الحرب، الا أن النسبة العالية لمؤيدي الحرب كانت كافية لمنح نتنياهو مزيداً من الأصوات تكفي لجعله في الصدارة.
وبعدما كانت نتائج الاستطلاع تشير دائماً إلى أن الجمهور يرى أن غانتس أكثر ملاءمة لمنصب رئيس وزراء، حصل نتنياهو هذا الأسبوع ولأول مرة على أكثرية 42 في المئة مقابل 40 في المئة لغانتس.
الولايات المتحدة تكثف جهودها
وسط هذه الأجواء، كثفت الولايات المتحدة جهودها الديبلوماسية والعسكرية والسياسية لتجنب اندلاع حرب موسعة في الشرق الأوسط، كما أرسلت تحذيرات علنية، ومن خلال قنوات ديبلوماسية سرية إلى إيران وإسرائيل، من تبعات تصعيد الصراع وتداعياته.
وشددت الادارة الأميركية في رسالة لطهران على أن أي هجوم على إسرائيل سيحطم أي أمل في تحقيق وقف إطلاق النار في غزة، كما حذرت من عواقب وخيمة على الاقتصاد الايراني وعلى الحكومة الايرانية المنتخبة حديثاً، إذا أقدمت طهران على مهاجمة إسرائيل.
كما حذرت واشنطن، إسرائيل، من ضربة استباقية قد تعطي ذريعة للإيرانيين لتوجيه ضرباتهم الانتقامية، في وقت تكثف فيه الاتصالات الديبلوماسية لخفض التصعيد والبحث عن مسار ينقذ ماء الوجه الايراني سياسياً.


