تحضيراً للمفاوضات التي تعتبر حاسمة اليوم من أجل وقف إطلاق النار في غزة، كان الموفد الأميركي آموس هوكشتاين، في بيروت يجري محادثات لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان تزامناً مع غزة، بالاضافة إلى الدفع لتنفيذ القرار 1701، والمفاجأة كانت طرحه ملف الانتخابات الرئاسية، من منطلق دور الرئيس في تثبيت القرار الأممي وإعادة إعمار الجنوب بعد الحرب، مطمئناً لبنان الى أن البوارج الأميركية التي وصلت إلى المنطقة هدفها منع اندلاع حرب وليس الدخول فيها.
إلا أن تطمينات هوكشتاين قد تنقضها أجندة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي يرى في الظروف الحالية “فرصة ذهبية” لدفع الولايات المتحدة إلى ما كان يسعى إليه منذ 15 عاماً، وهو مشاركته في مهاجمة المنشآت النووية الايرانية، بينما كشفت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن اغتيال رئيس حركة “حماس” اسماعيل هنية في هذا الوقت يبدو أن هدفه ضرب جهد أميركي – غربي لإعادة إيران إلى المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
الميدان
ميدانياً، سقط 17 جريحاً، أربعة منهم في حالة خطرة، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة قرب مفترق بلدة العباسية على مدخل صور، وشن الطيران الحربي غارة على بلدة عيتا الشعب في قضاء بنت جبيل بصاروخين ارتجاجيين، أحدث انفجارهما دوياً تردد صداه حتى منطقتي صور والنبطية، ويقدر أن الهدف من استخدام هذه الصواريخ هو استهداف أنفاق لـ”حزب الله”. وقال المتحدث العسكري باسم الجيش الاسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر حسابه على منصة “إكس”: “طائرات حربية لسلاح الجو أغارت على مبنى عسكري لحزب الله في منطقة عيتا الشعب بجنوب لبنان”.
في المقابل، كثّف “حزب الله” من عملياته التي استهدفت مواقع عسكرية وتجمعات لجنود. وقال في بيانات متفرقة إن مقاتليه نفذوا “هجوماً جوياً بأسراب من المُسيّرات الانقضاضية على تجمع مستحدث لجنود العدو في شمال أبيريم”، وقصف “موقع البغدادي بالأسلحة الصاروخية”، و”ثكنة زبدين في مزارع شبعا، وتجمعاً لجنود إسرائيليين في حرش شتولا، والتجهيزات التجسسية في موقع المطلة”. وأعلن أنه رد على غارة العباسية باستهداف مستعمرة كريات شمونة بِصليات من صواريخ الكاتيوشا.
هوكشتاين
إلى ذلك، شدّد هوكشتاين على أنه “لم يبق وقت لإضاعته” للتوصل الى وقف إطلاق نار في غزة، معتبراً أنه سيتيح كذلك التوصل إلى حلّ ديبلوماسي يوقف التصعيد بين “حزب الله” واسرائيل، عشية جولة محادثات عبر الوسطاء.
وقال هوكشتاين بعد زيارته عين التينة: “تحدثتُ مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حول الاتفاق الإطار المطروح لوقف إطلاق النار في غزة، وقد اتفقنا على أنه لم يبقَ وقت لإضاعته ولا أعذار مقبولة من أي طرف لتأخير إضافي”.
واعتبر أن “الاتفاق سيساعد أيضاً على التوصل إلى حلّ ديبلوماسي هنا في لبنان، ما سيمنع اندلاع حرب أوسع نطاقاً”، مؤكداً أنه “ينبغي علينا أن نغتنم هذه النافذة للعمل الديبلوماسي والحلول الديبلوماسية. الوقت المناسب هو الآن”.
وحذّر هوكشتاين من أنه “كلما مرّ وقت على التصعيد ازدادت احتمالات وقوع حوادث وأخطاء، واستهدافات تطال أهدافاً غير مقصودة قد تتسبب بسهولة في تصعيد لا يمكن السيطرة عليه”، مضيفاً: “هنا في لبنان، نعتقد أنه يمكننا الوصول إلى نهاية النزاع الآن، اليوم. ندرك أن هناك من يريد ربطه بنزاعات أخرى وهذا ليس موقفنا”.
وفاجأ الموفد الأميركي وفد المعارضة التي التقاها في مجلس النواب على هامش زيارته إلى بيروت، بطرح ملف الانتخابات الرئاسية و”ضرورة انتخاب الرئيس سريعاً لدوره مع الحكومة في مرحلة ما بعد الحرب”.
ونقل عنه أحد النواب الذين التقاهم قوله إنه ركّز مع رئيسي البرلمان والحكومة نبيه بري ونجيب ميقاتي على ضرورة الإسراع في انتخاب الرئيس. وقال: “كنا سعينا الى انتخابه سابقاً، لكن الرئاسة ارتبطت بالوضع في الجنوب، أما اليوم فالضرورة تقضي الإسراع في انتخابه لما سيكون له وللحكومة من دور لمواكبة تطبيق الـ 1701 وإعادة الإعمار نظراً الى حجم الدمار الكبير الذي أصاب الجنوب”.
وأفيد أن هوكشتاين تمنى إعطاء فرصة كافية للمباحثات التي ستجري في الدوحة حول الهدنة في غزة، وألا يكون هناك فعل ورد فعل، مؤكداً أن التوصل إلى وقف إطلاق النار سينعكس على جبهة الجنوب في لبنان، حيث لا بد أن تتكثف عندها الاتصالات للتوصل إلى استقرار دائم وتطبيق القرار 1701 على مراحل.
نتنياهو
وفيما تسعى أميركا الى منع حرب إقليمية واسعة في الشرق الأوسط، ترتفع التقديرات بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي يرى في الظروف الناشئة “فرصة ذهبية” لدفع الولايات المتحدة إلى ما كان يسعى إليه منذ 15 عاماً، وهو مشاركته في مهاجمة المنشآت النووية الايرانية.
وبحسب اليمين الاسرائيلي الحاكم، يسعى الغرب الى إبرام صفقة مع إيران تتجاوز مسألة الحرب على غزة، وضرورة عدم الرد على اغتيال إسماعيل هنية، لأن رداً كهذا سيجهض الاتفاق على تبادل أسرى.
وكشفت صحيفة “يسرائيل هيوم”، أن تصفية اسماعيل هنية أثناء زيارته إلى طهران أوقفت ولو بصورة مؤقتة خطوة كانت تنوي بضع دول من الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، القيام بها وهي الدفع قدماً بمحادثات مع إيران للعودة إلى الاتفاق النووي. وكانت هذه الخطوة في حالة وضع بنية تحتية للمحادثات التي يفترض أن تبدأ في 2025، بعد دخول خليفة الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض.
ويرى محللون أن نتنياهو يعتقد أن رد إيران على اغتيال هنية يمكن أن يشعل حرباً واسعة، لأن إسرائيل لن تتحمل رداً قاسياً كما يقول الايرانيون.
ومن هنا فإن الرد سيستدعي رداً، والولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى التدخل، إيفاء بوعدها، وستختار ضربات شديدة لمواقع حساسة، تتعلق بالمشروع النووي. وهكذا، بدلاً من المضي قدماً في الاتفاق النووي مع إيران تكون تلك ضربات للولايات المتحدة وحلفائها للمشروع النووي.
لكن مشكلة نتنياهو أن الغرب يعرف ما الذي يريده. والنهج الأساسي لزعماء أوروبا والادارة الديموقراطية في الولايات المتحدة لم يتغير، وبموجبه فإن الطريق لمنع القنبلة عن إيران هو من خلال الاتفاق وليس بضغط عسكري واقتصادي. ومع أن الرئيس بايدن يبدو منجراً وراء نتنياهو ويقوم بحشد قوات ضخمة حول إيران، إلا أنه يسعى بالقوة نفسها الى العمل الديبلوماسي الذي يمنع التدهور.


