اشتعلت اسرائيل لأول مرة في تاريخها، أمطار من الصواريخ الباليستية غطت سماءها وتساقطت على مناطق مختلفة فيها، كدفعة ايرانية أولى على الحساب انتقاماً للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله، ورئيس حركة “حماس” اسماعيل هنية. هجمت طهران من دون تحريك فصائلها في المنطقة، وعدم استنفار أميركي لصد الصواريخ الايرانية كما في المرة السابقة، ولا تحريك أصول عسكرية ضدها، بما يبدو أنه ضرب عصفورين بحجر واحد للولايات المتحدة، رسالة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لكبح جماحه، والسماح للجمهورية الاسلامية برد اعتبارها أمام الكيان العبري، الذي نفذ ضربات قاسية للمحور الايراني في الفترة الماضية، إلا أن العالم يشك في قدرة ادارة “البطة العرجاء” على ضبط الوضع في الشرق الأوسط بعد تدحرجه نحو حافة الهاوية منذ 7 تشرين الأول، ويعوّل على تسلم الادارة الجديدة الدفة لادارة مفاوضات جادة تعمل على اعادة توزيع الحصص في المنطقة.
أما على الجبهة اللبنانية، فلا تزال اسرائيل تحشد قواتها على الحدود الجنوبية، وأعلنت عن استدعاء 4 ألوية للمشاركة في العمليات على طول الحدود، معلنة المستوطنات الشمالية مناطق عسكرية. ونشر الجيش الاسرائيلي مشاهد لاقتحام قواته مواقع وأنفاقاً على الحدود اللبنانية، أظهر فيها عتاداً وأسلحة وصواريخ، قال “حزب الله” أنها قديمة ولا علاقة لها بالحرب الحالية، بينما أذاق اسرائيل بعضاً من صواريخه ليظهر أنه لا يزال قادراً على استهداف العمق الاسرائيلي على الرغم من كل الضربات التي تعرض لها، فاستهدف قاعدة في ضواحي تل أبيب بالاضافة إلى مستوطنات أخرى في عمليات عدة، فيما كرر مقاتلوه ما قاله نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم عن استعدادهم للالتحام البري في رسالة وجّهوها الى أمينهم العام الراحل حسن نصر الله، مؤكدين الاستمرار في المسيرة.
الرد الايراني
وأعلن “الحرس الثوري” الايراني إطلاق مئات الصواريخ الباليستية مستهدفاً عمق الأراضي الاسرائيلية، رداً على اغتيال نصر الله وهنية والقيادي في “الحرس” اللواء عباس نيلفروشان.
وأشار “الحرس” في بيان إلى أن الهجوم جرت المصادقة عليه في مجلس الأمن القومي الإيراني، مؤكداً أن “العملية تتماشى مع الحقوق القانونية للدولة والقوانين الدولية”، وتحت إشراف هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وبمساندة ودعم من الجيش الايراني ووزارة الدفاع.
وحذر إسرائيل من أن إيران ستواجه “هجمات قاسية ومدمرة” في المستقبل في حال الرد على هذه العملية، التي جاءت كما قال “بعد فترة من ضبط النفس أمام انتهاك سيادة الجمهورية الاسلامية باغتيال هنية على يد الكيان الصهيوني وبناءً على حق البلاد في الدفاع المشروع عن نفسها وفقاً لميثاق الأمم المتحدة”.
ولم يتضمن البيان أي إشارة الى نوعية الصواريخ المستخدمة، لافتاً إلى أنه سيتم تقديم تفاصيل الهجوم لاحقاً. واتهم الولايات المتحدة بتقديم الدعم لإسرائيل في هجماتها على لبنان، خصوصاً اغتيال نصر الله ونيلفروشان.
وفي بيان لاحق، قال “الحرس الثوري”: “استهدفنا القواعد العسكرية الثلاث في نافاتيم التي تضم طائرات اف 35 ونتساريم التي تضم طائرات اف 15 التي استخدمت لاغتيال السيد حسن نصرالله وقاعدة تل نوف بالقرب من تل أبيب”. وأشار أيضاً إلى استهداف أجهزة الرادار في الأنظمة الدفاعية التي توجه صواريخ آرو 2 وآرو 3.
وقال المرشد الايراني علي خامنئي: “ضربات محور المقاومة ستصبح أقوى وأكثر إيلاماً على الجسد المتهالك والمتعفن للنظام الصهيوني”.
فيما شدد الرئيس الايراني مسعود بزشكيان على أن “الهجوم كان دفاعاً عن مصالحنا ومواطنينا”، متوجهاً إلى نتنياهو بالقول: “عليه أن يعلم أننا لا نسعى الى الحرب لكننا سنقف بحزم ضد أي تهديد”. وأكد أنه “تم الرد بحزم على الاعتداءات الصهيونية بناء على حقنا المشروع في ضمان الأمن لإيران والمنطقة”.
وأظهرت مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي إطلاق صواريخ من قواعد تابعة لـ”الحرس” في مدن تبريز وكرمان وإصفهان وشيراز وأراك ورباط كريم في جنوب غرب طهران.
وأشارت وسائل إعلام إيرانية إلى إطلاق 400 صاروخ على الأقل، 30 منها من مدينة تبريز الواقعة في شمال غرب البلاد.
وظهر في مقاطع مصورة سقوط صواريخ وانفجارها وسط اسرائيل، وأفيد عن اشتعال منصة غاز مقابل عسقلان، فيما احتمى الملايين بالملاجئ.
ووفق ما أعلنت تل أبيب لم يسفر الهجوم الايراني إلا عن إصابتين طفيفتين ومقتل فلسطيني من الضفة الغربية.
وفيما لم تستنفر الولايات المتحدة الحلف الأطلسي لصد الهجوم الايراني كما في المرة السابقة، أدان البنتاغون “الهجمات المتهورة”، مطالباً إيران بوقف أي هجمات أخرى بما في ذلك عبر وكلائها. وأعلن أن مدمرات البحرية الأميركية أطلقت نحو 10 صواريخ اعتراضية على الصواريخ الايرانية المتوجهة إلى إسرائيل.
وفي لبنان، سجل اطلاق نار كثيف من أسلحة رشاشة في أنحاء الضاحية الجنوبية لبيروت ابتهاجاً بإطلاق صواريخ من إيران على إسرائيل.
الميدان
وسبق الهجوم ببضع ساعات غارات جوية إسرائيلية على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، تركزت الأولى في منطقة بئر حسن قرب طريق مطار رفيق الحريري الدولي، فيما استهدفت الأخرى منطقة الجناح وأصابت مبنى قرب مستشفى الزهراء الجامعي. وتمّ إغلاق طريق المطار الرئيسية وأوتوستراد الأسد وتحويلها إلى طريق الأوزاعي الفرعي.
وأعلن الجيش الاسرائيلي بداية الأمر أنه استهدف بيروت بضربة “دقيقة”، من دون الإدلاء بأي تفاصيل. ولاحقاً، أوضح في بيان أنه استهدف محمد جعفر قصير، قائد “الوحدة 4400” في “حزب الله”، المسؤولة عن نقل وسائل قتالية من إيران ووكلائها إلى الحزب.
وقال المتحدث باسم الجيش إن قصير يعدّ من أبرز قادة “حزب الله” وكان مقرباً من النظام الايراني، و”وجّه مئات العمليات لنقل الوسائل القتالية الاستراتيجية إلى حزب الله في لبنان، حيث أشرف على تطوير مشروع الصواريخ الدقيقة للحزب، وتطوير قدرات النيران للتنظيم، والتي كانت مخصصة لاستهداف الجبهة الداخلية وأهداف أخرى في إسرائيل”.
الحزب ينفي حصول غزو بري
أما على الحدود، فقد فرض الجيش الاسرائيلي منطقةً عازلةً بالنار في منطقة جنوب الليطاني بجنوب لبنان، تمنع عبور الناس من شمالها، وأرغم ما تبقى من السكان على النزوح إلى مسافة تبعد 60 كيلومتراً عن المنطقة الحدودية، في أوسع عملية إخلاء من نوعها تتزامن مع تضارب حول التوغل البري الذي قالت إسرائيل إنها بدأته، بينما نفى “حزب الله” والجيش اللبناني أي عملية تقدم باتجاه الأراضي اللبنانية.
وأعلن الجيش الاسرائيلي إطلاق عملية برية “محدودة” في الجنوب ضد “حزب الله”، وأمر بإخلاء نحو 30 قرية، بعد أسبوع من قصف مكثف طاول أهدافاً للحزب، وأوقع مئات القتلى. وأشار في بيان، فجر الثلاثاء، الى أن جنوده دخلوا جنوب لبنان في إطار “عملية برية محدودة وموضعية ومحدّدة الهدف” ضد “أهداف ومنشآت إرهابية” لـ”حزب الله”، من غير أن يوضح عدد الجنود المشارِكين فيها.
لكن “حزب الله” نفى دخول قوات إسرائيلية إلى جنوب لبنان، كما نفى الجيش اللبناني أي توغل، موضحاً في بيان، أن “الوحدات العسكرية المنتشرة في الجنوب تنفّذ إعادة تموضع لبعض نقاط المراقبة الأمامية ضمن قطاعات المسؤولية المحددة لها”. وأكد أن قيادته “تُواصل التعاون والتنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)”.
ودعا الجيش الإسرائيلي الى إخلاء أكثر من 30 قرية وبلدة تقع جنوب الليطاني، بما يبدو أنه تمهيد للتعامل مع الموجودين فيها على أنهم مقاتلون.
وكان القصف الإسرائيلي مهد لقطع أوصال الجنوب، بغارات جوية قطعت طرقاً رئيسية بين حاصبيا ومرجعيون في الشرق، وهو طريق يُقصف للمرة الثانية بعدما أعاد الجيش اللبناني فتحه في وقت سابق، فضلاً عن فصل قضاءي صيدا وصور في الغرب، عبر استهداف طريق القاسمية الذي أُعيد فتحه.
وتشمل جميع المناطق التي سمّاها الجيش الاسرائيلي، قرى وبلدات واقعة جنوب الليطاني، التي يتوقع أن تكون مسرح العمليات، ولا تلحظ المدن الواقعة جنوب الليطاني، مثل مدينة صور التي لا يزال يسكنها الآلاف من السكان والنازحين. وقال متحدث باسم الجيش الاسرائيلي، بعد ظهر الثلاثاء: “لن نذهب إلى بيروت ولا مدن جنوب لبنان”.
وواصل الجيش تحضيراته للتوغل، إذ قال أمس إنه استدعى 4 ألوية إضافية للمشارَكة في مهمات على طول الحدود الشمالية، واعتبر في بيان أن ذلك “سيتيح مواصلة النشاط العملياتي ضد حزب الله، وتحقيق الأهداف العملياتية، بما فيها العودة الآمنة لسكان شمال إسرائيل إلى منازلهم”، من غير تقديم تفاصيل بشأن استدعاء الألوية الجديدة، علماً بأن لواء المشاة الاسرائيلي يضم عادة من ألف إلى ألفَي جندي، في حين يضم لواء الدبابات المدرعة نحو 100 دبابة.
في المقابل، أعلن “حزب الله” عن تنفيذ عمليات عسكرية عدة ، بينها “صليات صاروخية من نوع فادي 4 على قاعدة غليلوت التابعة لوحدة الاستخبارات العسكرية 8200، ومقر الموساد الذي يقع في ضواحي تل أبيب، وتجمع لقوات العدوّ في ثكنة دوفيف بصاروخ فلق 2، وتجمعات لجنود إسرائيليين قرب شتولا وفي المطلة”.
ونقلت وسائل إعلام “حزب الله” عن مسؤول العلاقات الاعلامية في الحزب، محمد عفيف، قوله إن “استهداف قاعدة غليلوت ومقر الموساد بضواحي تل أبيب ليس سوى البداية”.
وأعلنت الخطوط الفرنسية “إير فرانس” وفرعها “ترانسافيا” المنخفض الكلفة تعليق الرحلات الجوية من باريس إلى بيروت وتل أبيب حتى 8 تشرين الأول على الأقل “بسبب الوضع الأمني” في الوجهتين.
وأجلت ألمانيا الاثنين الموظفين غير الأساسيين لدى سفارتها في بيروت وأفراد عائلاتهم وبعض مواطنيها في لبنان ممن يعانون مشكلات صحية.


