دفع التصعيد الذي وصل إلى قمته باغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله إلى مراجعة سياسية داخلية، توجت أمس بلقاء ثلاثي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وبيضة القبان رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط، نتج عنه اطلاق دينامية سياسية جديدة في اتجاهين، انتخاب رئيس للجمهورية، وتطبيق القرار الدولي 1701 ووقف إطلاق النار. وأشار عضو “اللقاء الديموقراطي” النائب وائل أبو فاعور في حديث لـ “لبنان الكبير” إلى أن الهدف هو كسر السردية الاسرائيلية، مؤكداً أن لبنان في حالة استدراج مبادرة وقرار وقف الحرب ليس بيده.
أما على الصعيد الميداني، فيبدو أن التفوق الجوي والتكنولوجي لم ينفع اسرائيل في التوغل البري، حيث أدت أول تجربة لمناورة برية إلى “كارثة” كما وصفها الاعلام العبري، اذ تمكن مقاتلو “حزب الله” من اصطياد 8 جنود اسرائيليين وتدمير 3 دبابات “ميركافا”، وفق ما أقر الجيش الاسرائيلي، بينما يفش خلقه بمواصلة الهجمات الجوية والقصف العشوائي على المناطق اللبنانية.
فشل التوغل براً
وبدأت المواجهات المباشرة على المحورين الشرقي والأوسط فجر الأربعاء، إثر بدء التوغل البري الاسرائيلي، الذي حاول العبور من 4 مواقع، وفق بيانات “حزب الله”، تبدأ من العديسة وكفركلا قرب مستعمرة المطلة، وتنتهي في يارون ومارون الراس. وتعرضت القوات الاسرائيلية لوابل من الصواريخ وزخّات الرصاص، كما فُجّرت عبوات مزروعة سلفاً في المنطقة، وفق ما قال الاعلام الاسرائيلي.
وبدأ التصدي للتوغل الاسرائيلي صباحاً باستهداف قوة مشاة إسرائيلية حاولت التسلّل إلى بلدة العديسة من جهة خلّة المحافر، واشتبك مقاتلو الحزب معها، “وأوقعوا بها خسائر وأجبروها على التراجع”، كما قال بيان من الحزب، قبل أن يفجر مقاتلوه بعد الظهر عبوات ناسفة مُعدة سلفاً في قوات إسرائيلية حاولت العبور إلى بلدة مارون الراس من الجهة الشرقية، وفي محيط بلدة يارون، وعبوة أخرى بقوة مشاة تسللت إلى منزل في خراج بلدة كفركلا، وأكد الحزب أنه أمطرها بوابل من الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، وأوقع عناصره أفرادها بين قتيل وجريح.
وأعلن “حزب الله” أيضاً أنه دمّر 3 دبابات “ميركافا” إسرائيلية بصواريخ موجهة خلال تقدمها إلى بلدة مارون الراس في جنوب لبنان. وتوعد الحزب بمقاومة التوغل الاسرائيلي، وقال مسؤوله الاعلامي محمد عفيف: “ما حصل في مسكافعام ليس إلا البداية لما ينتظر قوات الاحتلال”. وأكد أن “قواتنا ومقاومينا على أتم الجاهزية والاستعداد للمواجهة والبطولة والتضحية”، مشدداً على أن “المقاومة وقدراتها العسكرية بخير، وكذلك منظومة القيادة والسيطرة”.
ووقعت الاشتباكات على إيقاع غارات جوية واسعة نفذتها إسرائيل في عمق جنوب لبنان والبقاع، وكذلك في الضاحية الجنوبية لبيروت التي استهدفتها أكثر من 12 ضربة.
وكشفت إحصاءات من الحكومة اللبنانية، الثلاثاء، عن مقتل 1900 شخص وإصابة أكثر من 9 آلاف آخرين (معظمهم في الأسبوعين الماضيين) في لبنان خلال نحو عام من تبادل لإطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” عبر الحدود بالتوازي مع حرب غزة.
ووصفت وسائل إعلام اسرائيلية المناورة البرية الأولى بـ”الكارثة”، وبدأت التحليلات الاسرائيلية تعزو السبب إلى الجدار الفاصل الذي بدأت تشيده اسرائيل منذ العام 2018، حيث اضطرت القوات البرية إلى الدخول من أماكن محددة يسهل اصطيادها.
إلى ذلك، نقلت قناة “سي إن إن” عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين قولهم إن “حزب الله”، لم يستخدم صواريخه المتطورة وبعيدة المدى حتى الآن، مرجحين أنه لا يزال يحتفظ بمخزون مخفي من ترسانته ولم يتضح ما هي الصواريخ التي تم تدميرها.
من المنع إلى “الإدارة”
في السياق، رأى مسؤولون أميركيون أن إدارة الرئيس جو بايدن نقلت جهودها من محاولة منع اتساع حرب غزة إلى “إدارة” ما يسمى اليوم “الحرب الشاملة” التي طالما خشيت حصولها – وربما التورط فيها – على امتداد الشرق الأوسط.
وتساءلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن المدى الذي يمكن أن تبلغه الحرب، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستنخرط فيها بصورة مباشرة، بعدما كان الرئيس بايدن يحذّر طوال الأشهر الـ12 الأخيرة من “حرب أوسع”، ليجد نفسه الآن محاولاً إدارتها في ظل مخاوف من احتمال رد إسرائيل على صواريخ إيران باستهداف منشآتها النووية، ما “قد يؤدي إلى خروج الحرب عن السيطرة”. ونقلت عن السفير الاسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة مايكل أورين، قوله إن “هذه الحرب صارت الآن حرباً شاملة”، مضيفاً: “نحن في حرب من أجل بقائنا الوطني، نقطة”.
ووسط المخاوف الأميركية من نيّات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو حتى قبل تنفيذ إيران هجومها الصاروخي الواسع النطاق ضد إسرائيل، ومن أن يكون لبنان ساحة “الحرب الشاملة” بين إسرائيل وإيران، قال مسؤول كبير في البيت الأبيض، إن الولايات المتحدة “تدعم بنشاط الاستعدادات للدفاع عن إسرائيل”، محذّراً من أن الهجوم المباشر على إسرائيل “سيحمل عواقب وخيمة على إيران”. وتجلّى ذلك واضحاً في الموقف الذي أعلنه بايدن بعد الهجوم الايراني، مكرّراً أن واشنطن “تدعم بالكامل” إسرائيل، بعد الهجوم الذي جرى “صده” بدعم من الولايات المتحدة، وأثبت “عدم فاعليته”. وأكّد أن المناقشات “مستمرة” مع إسرائيل في شأن الرد، مشيراً الى أن العواقب على إيران “لم تُحدّد بعد”.
كذلك، قال مستشار الأمن القومي لدى البيت الأبيض جيك سوليفان، إن الهجوم الايراني “هُزِم وكان غير فعّال”، عازياً ذلك إلى الجهود المنسقة للقوات الأميركية والاسرائيلية التي أمضت أشهراً في التخطيط لكيفية اعتراض الصواريخ الايرانية.
وأضاف: “أوضحنا أنه ستكون هناك عواقب، عواقب وخيمة، لهذا الهجوم، وسنعمل مع إسرائيل لإثبات ذلك”.
أبو فاعور
وسط هذه الأجواء، اندفع لبنان بدينامية سياسية جديدة لمواجهة التحديات، لا سيما مع عدم تمكن الولايات المتحدة من كبح جماح نتنياهو، وهذه الدينامية تعمل باتجاهين: رئاسة الجمهورية وتنفيذ القرار 1701 ووقف إطلاق النار. ولفت عضو كتلة “اللقاء الديموقراطي” النائب وائل أبو فاعور لموقع “لبنان الكبير” إلى أن “انهاء الحرب ليس بيدنا حتى الآن، ليست هناك مبادرة فعلية موضوعة على الطاولة، والمبادرة الوحيدة هي التي أتى بها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التي قال بموجبها بإعادة إحياء الاقتراح الفرنسي – الأميركي، وسوى ذلك لا مبادرة بل نحاول إستدراج مبادرة”.
أما بالنسبة الى ضرورة التحدث عن القرار 1701 من عين التينة ودلالته المهمة، فقال: “طبعاً، هذا المقصود، ونحن نكسر السردية الاسرائيلية ونضع موقفاً لبنانياً نتوجه فيه الى الخارج ونقول لبنان يريد وقف إطلاق النار بعكس ما يشيعه الاسرائيلي، ولبنان يريد تطبيق القرار 1701 وارسال الجيش اللبناني الى الجنوب”.
بري – ميقاتي – جنبلاط
وكان الرئيس ميقاتي دعا إلى “وقف فوري لإطلاق النار، والشروع في الخطوات التي أعلنت الحكومة اللبنانية التزامها بها لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701، وإرسال الجيش اللبناني إلى منطقة جنوب الليطاني؛ ليقوم بمهامه كاملةً بالتنسيق مع قوات حفظ السلام في الجنوب”.
وشدّد بعد اجتماع عقده أمس مع الرئيس برّي وجنبلاط، على “التزام لبنان بالنداء الذي صدر في الاجتماعات التي جرت إبان انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة من الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وألمانيا، وأستراليا، وكندا، وإيطاليا”.
وبينما أكّد الاتفاق “إدانة العدوان الاسرائيلي الذي يطول لبنان، وأدى إلى استشهاد كثير من اللبنانيين”، شدّد على أهمية “وحدة اللبنانيين بمواجهة هذا العدوان، وتضامنهم الوطني”، داعياً “المجتمع الدولي والمنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتهما الأخلاقية والقانونية، والاستجابة لمتطلبات خطة الدعم التي طُرحت من لجنة الطوارئ الحكومية في أسرع وقت ممكن، خصوصاً أمام إصرار العدو الاسرائيلي على إطالة أمد العدوان”.
وفي مؤتمر صحافي عبر الانترنت نظمه فريق العمل الأميركي من أجل لبنان، أعلن ميقاتي أن لبنان في حاجة إلى وقف إطلاق النار لإنهاء الأعمال القتالية المتصاعدة بين إسرائيل و”حزب الله”. وقال: “أوقفوا القتال. لا نريد المزيد من الدماء. لا نريد المزيد من الدمار. هناك حاجة ملحة لوقف إطلاق النار”. واعتبر أن الحل الديبلوماسي سيكون “مربحاً للجانبين”، وأن “جميع الأطراف” ستحترم مثل هذا الاتفاق.


