قبل التصعيد الاسرائيلي الذي أفضى إلى اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله وعدد من قياديي تنظيمه، زار المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين لبنان مرات عديدة للتفاوض على وقف جبهة “الاسناد”، وكان في كل مرة يلقى سداً منيعاً من “حزب الله” بعنوان “وحدة الساحات” الذي يربط مصير لبنان بغزة، أما اليوم فالاقتراحات الأميركية تبدو مائلة لمصلحة اسرائيل، بحيث بدأت واشنطن تتحرك لتنفيذ القرار 1559 قبل الـ1701، وقد تواصل وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وكشف أن ادارة بلاده شرعت في محادثات ديبلوماسية مع المسؤولين اللبنانيين والقوى الدولية والإقليمية من أجل مساعدة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها ونزع سلاح الميليشيات وفقاً للقرارين الدوليين، وتزامن ذلك مع استهداف اسرائيلي متعمد للجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”، ربما كوسيلة ضغط على الدولة اللبنانية التي يشكل “حزب الله” وحلفاؤه ركناً أساسياً فيها.
وسط المأساة، تظهر الدول العربية معنى الأخوة للبنان، بحيث بدأت مد جسور جوية تنقل المساعدات الى اشعب اللبناني الذي يعاني على الطرق وفي مراكز الايواء. وفي هذا الأطار، برزت دولة الامارات بصورة رئيسية، بحيث وصلت أمس الطائرة التاسعة المحملة بالمساعدات الى مطار رفيق الحريري الدوليّ، وذلك ضمن حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار لإغاثة الشعب اللبناني، أعلن عن تقديمها رئيس الامارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعنوانها “الامارات معك يا لبنان”، وقد وصل حتى الأمس أكثر من 200 طن من الامدادات الطبية والغذائية والاغاثية ومعدات الإيواء، للمساهمة في التخفيف من حدة التداعيات الانسانية والصحية الحرجة.
الميدان
ميدانياً، أعلن الجيش اللبناني أمس مقتل اثنين من جنوده في استهداف إسرائيلي لأحد مراكزه في جنوب لبنان، بعد أسبوع من مقتل جنديين آخرين بنيران إسرائيلية. وقال الجيش في بيان: “استهدف العدو الاسرائيلي مركزاً للجيش في بلدة كفرا، ما أدى إلى سقوط شهيدين و3 جرحى”.
في المقابل، قال الجيش الاسرائيلي، إن رئيس الأركان ورئيس جهاز الأمن الداخلي أجريا تقييماً أمنياً داخل جنوب لبنان، أمس (الأول) الخميس.
وأكد رئيس هيئة الأركان هرتسي هاليفي في مقطع فيديو خلال التجمع، نشره الجيش “نواصل العمل ضد العدو، ولن نتوقف حتى نضمن إمكان إعادة السكان (الذين تم إجلاؤهم من الشمال) بأمان، ليس الآن فحسب، بل بنظرة مستقبلية”. وأضاف: “إذا فكر أي شخص في إعادة بناء هذه القرى مرة أخرى، فسوف يعرف أن لا جدوى من بناء بنية تحتية للإرهاب؛ لأن الجيش الاسرائيلي سوف يعمل على شل قدراتها مرة أخرى”.
وبينما سجّل هدوء حذر في الضاحية الجنوبية لبيروت، استمر القتال في المناطق الحدودية اللبنانية التي توغلت في أكثر من محور حدودي، وأعلن “حزب الله” عن استهدافات لتجمعات جنود إسرائيليين، وقال في بيانات متتالية إنه استهدف “تجمعاً لجنود العدو الإسرائيلي في تل شعر مقابل بلدة رميش وتجمعاً آخر في رأس الناقورة بصلية صاروخية، وتجمعات في مستعمرات شوميرا ويعرا وكفرسولد وفي منطقة زوفولون شمال مدينة حيفا في ثكنة يفتاح ومحيطها بصليات صاروخية”.
كما نفذ “حزب الله” هجوماً جوياً بسرب من المسيرات الانقضاضية على قاعدة قيادة الدفاع الجوي في كريات إيلعيزر في حيفا، واستهدف تجهيزات فنية موضوعة على رافعة في موقع العباد بصاروخ موجه. وأعلن أنه استهدف “تجمعاً لجنود العدو الاسرائيلي عند أطراف بلدة بليدا الشرقية الجنوبية، وتجمعاً لقوات العدو في مستعمرة كفريوفال بصلية صاروخية، وتجمعاً لجنود العدو غرب كريات شمونة بصلية صاروخية”.
مؤتمر صحافي للحزب
وفي مؤتمر صحافي عقده في الضاحية الجنوبية، أكد مسؤول العلاقات الاعلامية في “حزب الله” محمد عفيف أن المعركة مع إسرائيل في بدايتها، موجّهاً انتقاده إلى الخارج والداخل، ورأى أن من المبكر الحديث عن الاستثمار السياسي.
وجدد قوله إن “ضرب تل أبيب ليس سوى البداية، وما حصل في الأيام الماضية في حيفا وفي جوارها يؤكد أننا ما زلنا في البداية، وللعدو أقول: لم ترَ بعد إلا القليل من ضرباتنا”.
وعن الوضع الميداني لا سيما على الجبهة الجنوبية، أعلن أن “المقاومة بخير، وتدير حقل رمايتها وتوقيت صلياتها بما يتناسب مع قراءتها للميدان وظروفه الموضوعية، مخزونها الاستراتيجي بخير. الآلاف من المقاتلين الاستشهاديين الكربلائيين في ذروة الجهوزية وأعلى درجات الاستعداد دفاعاً عن لبنان، وجاهزون للقتال الضروس ثأراً لدم شهيدنا الأقدس”.
هوكشتاين
تزامناً، أكد الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، العمل ليلاً نهاراً من أجل مسألة وقف إطلاق النار في لبنان، والوصول إليه في أسرع وقت.
وقال في حديث تلفزيوني: “التنسيق مستمرّ مع الحكومة اللبنانيّة ورئيسها وقائد الجيش، والأمر يتعلّق بمستقبل لبنان من أجل الوصول إلى ما يريده الشعب اللبناني عبر انتخاب رئيس وتشكيل حكومة”.
وأضاف: “القرار 1701 هو الأساس الذي يجب أن نعمل عليه من أجل بناء مستقبل أفضل، وعلينا أن نقوم بما هو أكثر من تطبيق الـ 1701، والتأكّد من أنّ كلّ بنوده تمّ تطبيقها”.
وعلّق هوكشتاين على الهجوم الاسرائيلي الخميس على وسط بيروت، بالقول: “الهجوم كان مدمّراً ونسعى الى وقف العمليّات العسكرية”. وشدد على أن الولايات المتحدة لم تعطِ أي ضوء أخضر لأي عملية برية في لبنان.
ورأى أن الرئيس اللبناني يجب أن يختاره اللبنانيون بأنفسهم وليس علينا أن نختاره نحن لهم، مشيراً إلى أن علينا التركيز على أن يكون المجتمع الدولي قادراً على جمع حكومتي لبنان وإسرائيل والتوصّل الى تطبيق الـ1701 ولكن هذا لا يحصل بين ليلة وضحاها ورأينا جهود ميقاتي باستعداد الجيش للانتقال إلى الجنوب.
ولفت إلى “أننا ننسّق مع الكثير من الدول في الشرق الأوسط ويمكنها أن تقدّم دعماً اقتصاديّاً كي نعيد لبنان إلى الازدهار”، معتبراً أن “الوقت حان ليتمكّن لبنان من اتخاذ القرارات بنفسه بمعزل عن التأثيرات الدولية لما يصبّ في مصلحته”.
أميركا تسعى للـ 1559
يأتي ذلك وسط توجه أميركي الى تطبيق القرار 1559 قبل الـ 1701، ونشرت صحيفة “الشرق الأوسط” تقريراً عن “ورقة تفاهمات” أميركية توقف الحرب وتعيد الاعتبار الى الدولة اللبنانية، جاء فيه: “كشف وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن إدارة الرئيس جو بايدن شرعت في محادثات ديبلوماسية مع المسؤولين في بيروت، وأصحاب المصلحة الاقليميين والدوليين؛ من أجل مساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على أراضيها، وتطبيق قراريْ مجلس الأمن 1559 و1701 اللذين ينصّان على نزع أسلحة الميليشيات، ومنع انتشار المسلّحين والأسلحة غير التابعين للدولة في منطقة عمليات القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان اليونيفيل”.
وعلمت “الشرق الأوسط” أن “كبير الديبلوماسيين الأميركيين، وغيره من المسؤولين المعنيين بملف لبنان في إدارة بايدن، وبينهم خصوصاً المنسق الخاص للبيت الأبيض للبنية التحتية العالمية وأمن الطاقة آموس هوكشتاين، والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بريت ماكغورك، ومساعِدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، شرعوا في إعداد ورقة تفاهمات جديدة تحدد العناصر المطلوبة لوقف الحرب بين إسرائيل وحزب الله. وشملت اتصالات بلينكن لبنانياً رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، في حين اتصل هوكشتاين بمساعد لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وماكغورك بوزير الخارجية عبد الله بو حبيب. وشملت الاتصالات مسؤولين لبنانيين آخرين. وتركز هذه التفاهمات على إعادة فرض السلطات اللبنانية الرسمية هيبتها على كل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله وغيره من الميليشيات المسلّحة، استناداً إلى القرار 1559، ومنع انتشار أي سلاح في منطقة عمليات اليونيفيل بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، طبقاً للقرار 1701.
وتُشدد التفاهمات، في الوقت نفسه، على تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، بما في ذلك إنهاء الشغور الرئاسي المستمر منذ سنتين، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية بالتوافق. ولم يكشف الديبلوماسيون الأميركيون أسماء المسؤولين الاسرائيليين، الذين يجري التواصل معهم لهذه الغاية، علماً بأن الرئيس جو بايدن أثار موضوع لبنان وحزب ال»، خلال اتصاله الأخير مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولم تنتقل المحادثات حتى الآن إلى مرحلة تحديد الأولويات، علماً بأن الجانب الأميركي يركز على عودة سكان جنوب لبنان، وكذلك شمال إسرائيل إلى مُدنهم وبلداتهم وقراهم”.


