بعد الصدمة أتت الفكرة، وكعادة اسرائيل و”ملكها” بنيامين نتنياهو لم يجدا سبيلاً للرد على استهداف القاعدة العسكرية في جنوب حيفا، إلا عبر ارتكاب المجازر من الجنوب والبقاع إلى أكبرها في زغرتا، حيث أسفرت غارة اسرائيلية على مبنى في بلدة أيطو عن سقوط 21 ضحية وإصابة 8 آخرين، في ضربة ذات أبعاد عدة أولها رسالة دموية أن لا مكان آمن في لبنان، وثانيها محاولة تأليب اللبنانيين ضد بعضهم البعض وزرع فتنة بين النازحين وأهالي المناطق التي تخاف على أرواح عائلاتها من الاجرام الاسرائيلي.
وبينما يستمر نتنياهو في محاولات إبعاد قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” عن الحدود عبر استهدافها ميدانياً وسياسياً، عقدت بالأمس جلسة متعلقة بالقرار الدولي 1559، واعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن التطورات الميدانية الأخيرة تبرز الحاجة الملحة إلى تنفيذ جميع أحكام القرار الدولي، مطالباً الدول التي تربطها علاقة وثيقة بـ”حزب الله” (في إشارة إلى إيران)، بأن تشجع على نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي.
وبينما تتمسك “الممانعة” بتطبيق القرار 1701، وترفض انتخاب رئيس جمهورية تحت النار، كان لافتاً ما قاله النائب طوني فرنجية أمس في مقابلة متلفزة، لا سيما أن والده سليمان هو مرشح الثنائي الشيعي، من أن “الكلام عن رئاسة جمهورية في هذا الظرف وأمام الشهداء والجرحى والدمار الكبير محرج، ونؤكد استمرار ترشيح رئيس تيار المردة من دون أي تراجع علماً أنه وفي حال شهدنا توافقاً عاماً في لبنان لن نقف بوجهه”.
الميدان
ميدانياً، وسّع الجيش الاسرائيلي غاراته الجوية إلى الشمال، حيث قتل 21 شخصاً على الأقل أمس، وفق حصيلة للصليب الأحمر اللبناني، جراء غارة استهدفت لأول مرة، بلدة أيطو في قضاء زغرتا بشمال لبنان.
وتوسّعت رقعة القصف في الجنوب أيضاً، مع إنذارات بإخلاء قرى وبلدات، انضمت إليها الاثنين قرى منطقة الزهراني التي لا يزال يسكنها الآلاف، كونها بعيدة نسبياً عن الحدود بنحو 40 كيلومتراً. وأصدر الجيش الاسرائيلي أوامر بإخلائها، وهو ما يعني بحسب مصادر أمنية، “تحويلها إلى منطقة عسكرية أيضاً معرضة للاستهدافات” أسوة بمناطق حدودية أخرى، علماً أن المنطقة تعرضت لاستهدافات واسعة، كان آخرها الجمعة، حين أسفرت غارتان على منزلين في قريتي أنصارية والبيسارية عن مقتل 9 أشخاص على الأقل.
ونفذ الجيش الاسرائيلي غارة في بلدة العين بالبقاع الشمالي، تزامناً مع مرور قافلة مؤلفة من 3 شاحنات باتجاه بلدة رأس بعلبك، بعد أن تم إفراغ حمولة شاحنتين في مدينة بعلبك. وأعلن محافظ بعلبك – الهرمل بشير خضر، أن إحدى شاحنات المساعدات التي كانت متجهة نحو رأس بعلبك أصيبت بأضرار، نتيجة عصف الغارة في بلدة العين، ما أدى إلى إصابة سائق الشاحنة بجروح.
في المقابل، واصل “حزب الله” إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، وأعلن أن وحداته الصاروخية استهدفت كرمئيل، وراموت نفتالي، بينما دوت صافرات الإنذار مساء في تل أبيب. وقال الجيش الاسرائيلي إن الإنذارات في وسط البلاد دوت “بعد إطلاق 3 صواريخ من لبنان ليتم اعتراض جميع التهديدات”، مشيراً الى أن “طائرات حربية هاجمت المنصة الصاروخية التي استخدمت لتنفيذ عملية الإطلاق”.
تهديدات متبادلة
وتوعد “حزب الله” بتوسعة القصف إلى داخل العمق الاسرائيلي وتنفيذ عمليات أمنية، بينما نقلت هيئة البث الاسرائيلية عن مصدر مطلع قوله إن إسرائيل تعد لهجوم واسع في لبنان يشمل بيروت رداً على استهداف معسكر غولاني. وأفادت بأن نتنياهو طلب الحصول على موافقته لاستهداف العاصمة اللبنانية، وأكد أن القوات الاسرائيلية ستواصل ضرب “حزب الله بلا رحمة في جميع أنحاء لبنان بما في ذلك بيروت”.
وفي تصريح من قاعدة بنيامينا المستهدفة في حيفا، شدد نتنياهو على “أننا ندفع ثمناً مؤلماً ولكن لدينا إنجازات هائلة وسنواصل تحقيقها”، مشيراً الى “أننا نخوض حرباً صعبة ضد عدو يريد القضاء علينا، وأعزي عائلات الجنود الأربعة من لواء غولاني الذين سقطوا أمس في بنيامينا”.
مجلس الأمن لتنفيذ الـ 1559
في مجلس الأمن وفي تقريره نصف السنوي حول تطبيق القرار 1559، رأى الأمين العام للأمم المتحدة أن التطورات الميدانية الأخيرة “تبرز الحاجة الملحة إلى تنفيذ جميع أحكام القرار 1559″، مشيراً أيضاً إلى الدعوات الصادرة عن شرائح عدة من السكان اللبنانيين من أجل “التنفيذ الكامل للقرار”، بالاضافة إلى “رفضها حيازة السلاح خارج نطاق سلطة الدولة”. وأوضح أن “احتفاظ حزب الله بالسلاح لا يزال مسألة مثيرة للانقسام داخل المجتمع اللبناني”، مشجعاً الجهات الفاعلة اللبنانية على “إعادة تنشيط الجهود الرامية إلى إجراء حوار وطني جامع بغية معالجة القضايا العالقة”.
ورحب غوتيريش بقرار الحكومة اللبنانية تجنيد أعداد إضافية من الجنود في الجيش اللبناني. ودعا الدولة اللبنانية إلى أن “تواصل تكثيف جهودها لتحقيق احتكارها حيازة السلاح، واستخدام القوة على كل أراضيها”، مطالباً الحكومة والجيش بـ”اتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع حزب الله والجماعات الأخرى من الحصول على الأسلحة ومن بناء قدرات شبه عسكرية خارج نطاق سلطة الدولة، في انتهاك للقرارين 1559 و1701”.
وكرر دعوته إلى كل الأطراف المعنية من أجل “الامتناع عن القيام بأي نشاط عسكري داخل لبنان أو خارجه، وذلك انسجاماً مع متطلبات اتفاق الطائف والقرار 1559”. وحضّ كل الأطراف على تنفيذ هذا الاتفاق من أجل “تجنب شبح تجدّد المواجهة بين المواطنين اللبنانيين”.
وفي إشارة إلى إيران، قال غوتيريش في تقريره: “ينبغي لبلدان المنطقة التي تربطها بحزب الله علاقات وثيقة أن تشجع على نزع سلاحه وعلى تحوله إلى حزب سياسي مدني صرف، وفقاً لبنود اتفاق الطائف والقرار 1559، وبما يخدم على أفضل وجه مصلحة لبنان ومصلحة السلام والأمن في المنطقة”.
وكرر غوتيريش “التنديد بشدة” بكل الانتهاكات لسيادة لبنان وسلامة أراضيه، مطالباً إسرائيل بـ”التقيّد بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بما في ذلك سحب قواتها من الجزء الشمالي من قرية غجر ومنطقة محاذية لها شمال الخط الأزرق، وكذلك الكف فوراً عن التحليق بطائراتها في المجال الجوي اللبناني”. وأكد أنه “لا يمكن معالجة الأزمة المتعددة الجوانب في لبنان إلا بانتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات، وتنفيذ إصلاحات شاملة بما يلبي حاجات الشعب اللبناني وتطلعاته”.


