بعد 3 أسابيع من التهديدات ردت اسرائيل أخيراً على الهجوم الايراني في الأول من تشرين الأول، إلا أنه لم يرتقِ إلى الحلم “النتنياهوي”، بـ “تغيير وجه الشرق الأوسط” بما يبدو أنه ضبط إيقاع أميركي للضربة، التي سرّبت واشنطن وثائق سرية عن الخطط بشأنها قبل أيام. وسارعت إدارة جو بايدن إلى مباركة الضربات، معتبرة أنها متناسبة، داعية إيران إلى عدم الرد ووقف التصعيد. ويبدو أن طهران في الجو نفسه بحيث اندفعت إلى التشديد على أن الضربات الاسرائيلية كانت محدودة، وكان لافتاً بيان وزارة الخارجية الايرانية، الذي شدد على حق طهران بالدفاع عن نفسها، إلا أنه أشار إلى واجباتها تجاه السلام والأمن الاقليمي وحماية الاستقرار في المنطقة.
وفيما تمكنت الولايات المتحدة من كبح الجماح الاسرائيلي تجاه إيران، تتركه متفلتاً تجاه لبنان، حيث يستمر الجيش الاسرائيلي في خطة تسوية الشريط الحدودي بالأرض، وقد نشر مقاطع فيديو تظهر عمليات تفخيخ وتفجير واسعة نفذها في بلدتي ديرسريان والعديسة، وتسببت بارتجاجات في الأرض، شعر بها سكان البلدات المجاورة ظناً منهم أنها هزة أرضية، بما يبدو أنه سعي اسرائيلي الى نسف أي موقع يمكن أن يختبئ فيه عناصر “حزب الله”، ويأتي ذلك وسط معارك برية عنيفة يخوضها الطرفان على الحدود.
الميدان
وقد وسَّع الحزب دائرة قصفه على المدن الاسرائيلية، السبت، وأعلن عن قصف 5 مناطق سكنية على الأقل في شمال إسرائيل، فضلاً عن استهداف مواقع عسكرية في المنطقة ذاتها وتجمعات جنود في جنوب لبنان.
وأورد الحزب في بيانات متلاحقة أنه قصف بالصواريخ منذ الصباح كلاً من كريات شمونة ومتسوفا وجعتون ويسود همعلاه، إضافة إلى الكريوت شمال مدينة حيفا. في حين اتهم الجيش الاسرائيلي، ظهر السبت، الحزب، بإطلاق نحو 80 مقذوفاً على إسرائيل. وبعد الظهر أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بانطلاق 30 صاروخاً باتجاه كريات شمونة، وأن الصواريخ على الجليل الأعلى أسفرت عن اندلاع حرائق.
وتزامن هذا النشاط الصاروخي، مع قصف في العمق، امتد من صفد على الساحل الشمالي، وحتى جنوب تل أبيب، حسبما أفاد به الحزب في بيانات متعاقبة، وقال إنه شن هجوماً جوياً بسرب من المسيّرات الانقضاضية على قاعدة “تل نوف” الجوية جنوب تل أبيب وأصابت أهدافها بدقّة، كما أعلن عن إصابة “الكريوت” شمال مدينة حيفا بصلية صاروخية، إضافة إلى استهداف قاعدة “ميشار” (مقر الاستخبارات الرئيسيّة للمنطقة الشمالية في صفد) بِصلية صاروخية.
ودوّت صافرات الإنذار في عشرات المواقع شمال إسرائيل، بينما أعلنت الجبهة الاسرائيلية الداخلية عن إطلاق الصافرات في كريات شمونة ومناطق مجاورة في الجليل الأعلى.
ونشر “حزب الله” مساء بياناً دعا فيه سكان عدد من المستوطنات الشمالية إلى إخلائها فوراً، مشيراً إلى أنها “تحولت إلى مكان انتشار واستقرار لقوات العدو العسكرية التي تهاجم لبنان. بفعل ذلك، أصبحت أهدافاً عسكرية مشروعة للقوة الجوية والصاروخية في المقاومة الاسلامية”.
مجازر اسرائيلية مستمرة
في المقابل، كثف سلاح الجو الاسرائيلي غاراته على الداخل اللبناني، وأسفرت الاستهدافات عن مقتل عائلة بأكملها، من ضمنها 3 أطفال، في قرية تفاحتا في الزهراني، إضافةً إلى مقتل شاب تحت أنقاض منزله في خربة الدوير.
وأفادت وزارة الصحة بأن “غارة العدو الاسرائيلي على مركز صحي في البازورية أدت إلى استشهاد مسعف من الهيئة الصحية” وإصابة 5 أشخاص بجروح، بينهم 3 مسعفين من الهيئة، ليرتفع بذلك عدد المسعفين ورجال الإنقاذ الذين قُتلوا جراء التصعيد إلى 164 خلال عام. وجاء استهداف المركز بعد يومين من اتهام المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي، “حزب الله” بـ “استخدام سيارات الإسعاف لنقل مخربين وأسلحة” في جنوب لبنان.
تشييع الرائد فرحات
بالتزامن، أقام الجيش اللبناني في المستشفى العسكري المركزي، مراسم تكريم الرائد محمد فرحات الذي قُتل في استهداف إسرائيلي قبل 3 أيام، أثناء تنفيذ عملية إخلاء جرحى في خراج بلدة ياطر – بنت جبيل في الجنوب. وشارك في التشييع الرسمي، قائد الجيش العماد جوزيف عون وعدد من الضباط.
وكان جثمان فرحات، وصل من المستشفى العسكري المركزي إلى باحة كنيسة مار مارون في رشعين قضاء زغرتا، حيث استقبل النعش بالزغاريد ونثر الأرز والورد، وشق طريقه على صوت أجراس الكنائس، ووسط الحشود. وأدت ثلة من الجيش التحية للنعش، بينما عزفت موسيقى الجيش لحن الموت، وألحاناً حزينة.
اسرائيل تهاجم ايران
قرابة الساعة الثانية فجراً، دوّت انفجارات في إيران تبين أنها على إثر هجوم اسرائيلي كرد على الهجوم الايراني في الأول من الشهر الجاري، وسارعت طهران إلى التقليل من قيمة الرد، مشيرة إلى نجاح دفاعاتها في التصدي للهجوم، الذي كان محدود النطاق. وهذا ما توافق مع الرواية الأميركية، فقال الرئيس بايدن أمس السبت، إن الهجمات الاسرائيلية على إيران ضربت أهدافاً عسكرية فقط على ما يبدو، آملاً أن تكون الهجمات هي “النهاية”.
وحرص المسؤولون الأميركيون على إظهار مدى دقة الهجوم الاسرائيلي، خصوصاً أن الولايات المتحدة دفعت إسرائيل إلى عدم مهاجمة البنية التحتية للطاقة الايرانية، خوفاً من إشعال صراع أوسع نطاقاً، وهو الطلب الذي يبدو أن إسرائيل استجابت له، وفقاً لتقارير في واشنطن.
وبعد انتهاء الضربات الاسرائيلية ضد إيران، قال الناطق باسم مجلس الأمن القومي شون سافيت: “أعلنت إسرائيل أن ردها على هجوم الصواريخ الباليستية الإيرانية في الأول من أكتوبر اكتمل الآن”.
وأضاف: “كما صرّح الاسرائيليون، كان ردهم بمثابة تمرين للدفاع عن النفس وتجنّبوا المناطق المأهولة بالسكان، وركزوا فقط على الأهداف العسكرية، على عكس هجوم إيران على إسرائيل الذي استهدف المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في إسرائيل”. وأكد أن الولايات المتحدة لم تكن مشاركة في هذه العملية، موضحاً أن “هدفنا هو تسريع الديبلوماسية وتهدئة التوترات في منطقة الشرق الأوسط”. وحضّ إيران على “وقف هجماتها على إسرائيل حتى تنتهي هذه الدورة من القتال من دون مزيد من التصعيد”.
وفيما اعتبرت الخارجية الايرانية أن من حق إيران الدفاع عن نفسها، إلا أنها ذكّرت “إيماناً منها بواجباتها تجاه السلام والأمن الإقليميين، بالمسؤولية الفردية والجماعية لجميع دول المنطقة في حماية السلام والاستقرار الاقليمي”.


