“أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة أصبحنا فيها أقرب إلى ترتيب مما كنا عليه (في أي وقت آخر) منذ بدء الحرب”… قال وزير الطاقة الاسرائيلي إيلي كوهين، العضو في مجلس الوزراء الأمني، فرأى لبنانيون كثر في هذا الكلام دليلاً على اقتراب وقف لإطلاق النار، مدفوعين بذلك برغبة الانتهاء من الحرب الاسرائيلية التي تزداد وحشية يوماً بعد يوم على امتداد البلد، لكنهم لم يقرأوا تتمة الكلام الذي يقول فيه كوهين إن نقطة الخلاف الرئيسية بالنسبة الى إسرائيل هي ضمان احتفاظها بحرية العمل في حالة عودة “حزب الله” إلى المناطق الحدودية، إذ “سنكون أقل تسامحاً مما كنا عليه في الماضي بشأن محاولات إنشاء معاقل في الأراضي القريبة من إسرائيل. هكذا سنكون، وهكذا سنتصرف بالتأكيد”.
السر الذي يبقي وقف النار مجرد أمل للبنانيين المطحونين هو “الإحتفاظ بحرية العمل” لاسرائيل في أي إتفاق، وهو ما يعني أن “آلية تنفيذ” الاتفاق هي حجر أساس بالنسبة اليها. وهنا يقول كوهين: “هناك مناقشات، لكن لم يتم الاتفاق عليها بعد”.
هذا الكلام يضعنا جميعاً خارج الـ1701 المتضمن آلية تنفيذ محصورة بالجيش اللبناني و”اليونيفيل”، للبحث عن إتفاق جديد يضمن لاسرائيل أيضاً نزع سلاح “حزب الله” وعدم تسلحه مجدداً. والمشكلة أن المسؤولين اللبنانيين يعيشون في الـ”لالا لاند” ويشترطون تنفيذ الـ1701 كما هو مع أنهم يعرفون أن المفاوضات الحقيقة تتم بين واشنطن وتل أبيب لتنظيم “الشروط الاسرائيلية” بعد تهذيبها أميركياً لتعرض بعد تحقيق اسرائيل أهدافها على الأرض بصيغة: خذها أو أتركها.
في هذه الأثناء، كانت السفيرة الأميركية في بيروت ليزا جونسون تُبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري باستمرار وساطة الموفد الرئاسي آموس هوكشتاين، مؤكدةً أن هذا الحراك “يحظى بمباركة من الادارة الأميركية الجديدة”.
وفيما أفادت وسائل إعلام بتقديم جونسون مسودة لبري، نُقل عن أوساط عين التينة تأكيدها أن جونسون أبلغت بري أن العمود الفقري للحراك الأميركي هو ما اتفق عليه مع هوكشتاين في الزيارة الأخيرة، وأن هناك اقتراحات اضافية تريد واشنطن استمزاج رأي بري فيها.
وقالت مصادر مقربة من الرئيس بري إنه سلّم السفيرة الأميركية رده على مقترح هوكشتاين بشأن وقف إطلاق النار في لبنان، وإنه متفائل بالوصول اليه خلال أيام “إذا لم يستجد أي طارئ”.
في هذا الوقت، وعلى وقع الغارات الأعنف على الضاحية الجنوبية والتوغل البري جنوباً، بدا أن إسرائيل فتحت واسعاً الصفحة الثالثة من حربها الاقليمية: سوريا، التي تشكل ساحة خلفية أساسية لـ “حزب الله” تؤمن له مناطق نفوذ واسعة تدر له عشرات ملايين الدولارات بتجارة الكبتاغون، وتشكل ممراً للإمدادات من إيران والعراق.
اطلاق نار على “اليونيفيل”
وفي حادث يمكن اعتباره نموذجاً لما سيأتي، أعلنت قوات “اليونيفيل” أن دورية تابعة لها تبادلت إطلاق النار مع مجهولين في جنوب لبنان، بعدما تعرضت لإطلاق نار عقب اكتشافها مخزناً للذخيرة، ما يمكن عدّه مشهداً خطيراً، كون قوات الطوارئ الدولية هي أحد الأطراف المسؤولة عن تنفيذ بنود تفكيك البنى التحتية لـ”حزب الله” ونزع سلاحه وفق المسودات المتبادلة.
بزشكيان والملف النووي
وسط هذه الأجواء، كان لافتاً تصريح الرئيس الايراني مسعود بزشكيان، الذي قال فيه: “نعلن جهوزيتنا للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لازالة الغموض والشبهات”، والذي وصف بأنه مرونة في السياسة الايرانية، لا سيما تجاه الملف النووي الايراني، وقد أعلنت واشنطن أنها تريد رؤية “تغيير في السلوك” بعد تصريحات الرئيس الايراني بشأن الملف النووي.
وعن التصعيد في المنطقة، رأى بزشكيان أن “الحرب، ليست لصالحنا ولا لصالح المنطقة ولا العالم، وأي انسان عاقل لا يبحث عن اثارة الحرب وتوسيعها، لكن المؤكد أننا سنبدي ردة فعل حاسمة وقوية ازاء أي فعل يمس أمننا”.
الخسائر الاقتصادية
في الشأن الاقتصادي، أشار تقرير صادر عن البنك الدولي، الى أن الخسائر الاقتصادية في لبنان نتيجة النزاع المستمر بين “حزب الله” وإسرائيل تقدر بحوالي 5.1 مليارات دولار، بالاضافة إلى أضرار مادية تصل قيمتها إلى 3.4 مليارات دولار. وتركزت الأضرار خصوصاً على قطاعات التجارة والسياحة والضيافة، بالاضافة إلى قطاع الزراعة.
وتوقع البنك الدولي أن تتجاوز التكلفة النهائية للأضرار والخسائر المرتبطة بالنزاع في لبنان هذه التقديرات بصورة كبيرة. ووفقاً للتقرير، تضررت حوالي 99,209 وحدة سكنية، حيث يُقدّر أن 18% منها دمرت بالكامل، بينما تعرضت 82% لأضرار جزئية.
الميدان
ميدانياً، أطلق الجيش الاسرائيلي أوسع محاولة توغل في العمق اللبناني، عبر ثلاثة محاور أساسية، تمكَّن في أحدها من الوصول إلى تخوم بلدة شمع في المحور الغربي على بُعد نحو 4 كيلومترات من الحدود، حيث اندلعت اشتباكات مع مقاتلي “حزب الله”.
وأعلن الجيش الاسرائيلي أن قوات “الفرقة 91” تشارك في توسيع نطاق الاجتياح البري في أطراف خط القرى الثاني بجنوب لبنان، وتعمل في مناطق جديدة لم يعمل فيها الجيش من قبل.
ووصل الاختراق الاسرائيلي إلى أطراف بلدة شمع الاستراتيجية، التي تشرف على مدينة صور. وقد اندلعت اشتباكات عنيفة هناك، منذ الفجر، قبل أن تبدأ مدفعية إسرائيلية بقصف طيرحرفا بالقذائف الفوسفورية والمدفعية، وتحدثت معلومات عن تدمير دبابة “ميركافا” كانت تتقدم ضمن قوة إسرائيلية في وادي البطيشية، صعوداً باتجاه بلدة طيرحرفا.
وأفيد في فترة بعد الظهر عن انسحابات اسرائيلية نحو الحدود، في حين واصل “حزب الله” قصف التجمعات في المواقع العسكرية.
وأشارت وسائل إعلام إلى أن إسرائيل تحاول تحقيق اختراقات على محور الضهيرة – علما الشعب – حامول في أطراف الناقورة – طير حرفا في القطاع الغربي. أما في القطاع الأوسط فتحاول التوغل عبر محور يارون – بنت جبيل، ومحور عيترون – بنت جبيل، ومحور عيترون – عيناثا في القطاع الأوسط. أما في القطاع الشرقي فتحاول عبر محور العباد – حولا، ووادي هونين – مركبا.
وأفادت معلومات ميدانية عن محاولات إسرائيلية للوصول إلى بلدة الطيبة، انطلاقاً من قرى الحافة الحدودية التي دمرت منازلها في مركبا وحولا، وهو ما يُرصد في بيانات لـ”حزب الله” تحدثت عن استهدافات لتجمعات عسكرية بين بلدتيْ حولا ومركبا، وأخرى عند الأطراف الشرقية لبلدة مركبا، في حين ظهرت محاولات للتقدم باتجاه مدينة بنت جبيل على محور عيناثا، حيث اندلعت اشتباكات أيضاً، غداة تفجير منزل على المثلث نفسه بالمنطقة، وقُتل فيه 6 جنود إسرائيليين.
غارات على سوريا
وتستمر الغارات الاسرائيلية على سوريا أيضاً، بحيث ذكرت وكالة الأنباء السورية أن قصفاً إسرائيلياً استهدف أحد الجسور بمنطقة القصير جنوب غربي حمص، بالقرب من الحدود مع لبنان، مساء أمس، بعد ساعات على قصف منطقة المزة في دمشق، قالت اسرائيل إنه استهدف مقرات لحركة “الجهاد الاسلامي”.
وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت الأربعاء أن طائرات إسرائيلية استهدفت جسوراً على نهر العاصي وطرقاً على الحدود السورية – اللبنانية في ريف حمص، في هجوم أدى إلى “إلحاق أضرار كبيرة بها وخروجها عن الخدمة”.
وأعلن الجيش الاسرائيلي إن طائراته أغارت على محاور نقل تابعة للنظام السوري على الحدود السورية – اللبنانية، والتي قال إنه تم استخدامها لنقل “وسائل قتالية” إلى “حزب الله”.
وقال المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي دانيال هاغاري للصحافيين: “نحدد صواريخ وأسلحة أخرى مصنعة في سوريا يطلقها حزب الله على أراضٍ إسرائيلية”.
وأضاف: “سنهاجم كل محاولة لتهريب أسلحة من سوريا إلى حزب الله. وسنهاجم كل بنية تحتية نرصدها في سوريا بغرض إنتاج أسلحة لحزب الله”.
وأشار هاغاري الى أن الجيش ينفذ غارات جوية بدءاً من الضاحية الجنوبية لبيروت حتى دمشق.


